ثم حكى مقالة أخرى للكفار من مقالاتهم الباطلة، فقال :
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ * وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَاماً وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِّسَاناً عَرَبِيّاً لِّيُنذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ .
يقوله الحق جلّ جلاله : وقال الذين كفروا للذين آمنوا أي : لأجلهم، وهو كلام كفار مكة، قالوا : إنَّ عامة مَن يتبع محمد السُّقاط، يعنون الفقراء، كعمار وصهيب وبلال وابن مسعود رضي الله عنهم، قالوا : لو كان ما جاء به محمد من القرآن والدين خيراً ما سبقونا إِليه فإن معالي الأمور لا تنالها أيدي الأرذال، فإنَّ عامتهم فقراء وموالٍ ورُعاة، قالوه زعماً منهم أن الرئاسة الدينية مما تُنال بأسباب دنيوية، كما قالوا : لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [ الزخرف : ٣١ ]، وضلّ عنهم أنها منوطة بكمالات نفسانية، وملكات روحانية، مبناها : الإعراض عن زخارف الدنيا، والإقبال على الله بالكلية، وأنّ مَن فاز بها حازها بحذافيرها، ومَن حرمها فما له عند الله من خلاق. والحاصل : أن هذه المقالة سببها الرضا عن النفس، وهو صل كل معصية وغفلة. ثم قال تعالى : وإِذ لم يهتدوا به العامل في الظرف محذوف ؛ لدلالة الكلام عليه، أي : وإذ لم يهتدوا به ظهر عنادهم، وقالوا ما قالوا : فسيقولون غير مكتفين بنفي خيريته : هذا إِفك قديم أي : كذب متقادم، كقوله :
أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ [ الأنعام : ٢٥ ].
وقال القشيري : إنه تكذيب للرسل فيما بُيّن لهم، فما أُنزل عليهم من بعثة محمد رسولاً، يعني : فيكون كقوله تعالى : إِنَّا بِكُلِّ كَافِرُونَ [ القصص : ٤٨، الزخرف : ٣٠ ]، وقيل لابن عباس : أين نجد في القرآن " مَن كره شيئاً عاداه "، فقرأ هذه الآية : وإذ لم يهتدوا. . الخ.
وإذا نقصها له أحدٌ انتقم منه وغضب، وإذا مدحها له فَرِحَ واستبشر، ويرى أنه أهل لكل خيرٍ، وأولى من غيره، فيقول إذا رأى مَن حاز خيراً أو رئاسة، كما قال الكفار : لو كان خيراً ما سبقونا إليه، وعلامة عدم الرضا عنها : إظهار مساوئها، واتهامها في كل حال. وَعَيْنُ الرِضَا عَن كُلِّ عَيْبٍ كَلِيلَةٌ ولَكِن عَين السخطِ تُبدِي المساويا
وقال أبو حفص الحداد : مَن لم يتهم نفسه على دوام الأوقات، ولم يخالفها في جميع الأحوال، ولم يجرها إلى مكروهها في سائر أيامه، كان مغروراً، ومَن نظر إلى نفسه باستحسان شيء منها فقد أهلكها، وكيف يصح لعاقل الرضا عن نفسه ؟ ! والكريم ابن الكريم ابن الكريم يقول : وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي [ يوسف : ٣٥ ] هـ.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي