ﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰ ﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂ ﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍﰎﰏﰐ ﰒﰓﰔﰕﰖﰗﰘﰙﰚ

ولسان علماء بين إسرائيل، فهي كبشارة عيسى عليه السلام بمحمد صلّى اللَّه عليه وسلّم:
وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [الصف ٦١/ ٦].
وفي الآية تقديم وتأخير، تقديره: قل: أرأيتم إن كان من عند اللَّه، وشهد شاهد من بني إسرائيل على ذلك، أي على صدق القرآن، فآمن هو، وكفرتم، إن اللَّه لا يهدي القوم الظالمين، أي الكافرين المعاندين.
وقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ تهديد، وهو قائم مقام الجواب المحذوف للشرط: إِنْ والتقدير: قل أرأيتم إن كان من عند اللَّه، ثم كفرتم به، فإنكم لا تكونون مهتدين، بل تكونون ضالين.
شبهات أخرى للكفار- ٢-
[سورة الأحقاف (٤٦) : الآيات ١١ الى ١٤]
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ (١١) وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِساناً عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ (١٢) إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣) أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٤)
الإعراب:
وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً كِتابُ: مبتدأ، ومِنْ قَبْلِهِ: خبره، وإِماماً وَرَحْمَةً: منصوبان على الحال من الضمير في الظرف، أو من «الكتاب».

صفحة رقم 23

وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِساناً عَرَبِيًّا وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ هذا كِتابٌ: مبتدأ وخبر، ولِساناً عَرَبِيًّا: منصوبان على الحال من ضمير مُصَدِّقٌ أو من «الكتاب» لأنه قد وصف ب مُصَدِّقٌ أو من «ذا» والعامل فيه معنى الإشارة، أي أشير إليه لسانا عربيا، أو أنبه عليه لسانا عربيا. وَبُشْرى: إما مرفوع عطفا على كتاب، أو منصوب على أنه مصدر.
أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها خالِدِينَ: منصوب على الحال من أَصْحابُ الْجَنَّةِ والعامل فيها معنى الإشارة في أُولئِكَ كقولك: هذا زيد قائما.
جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ جَزاءً: إما مفعول لأجله، أو منصوب على المصدر المؤكد، أي جوزوا جزاء.
البلاغة:
لِيُنْذِرَ وَبُشْرى بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هم قريش، وقيل: بنو عامر وغطفان وأسد وأشجع، لما أسلمت جهينة ومزينة وأسلم وغفار، وقيل: اليهود حين أسلم ابن سلام وصحبه.
لِلَّذِينَ آمَنُوا أي لأجلهم وفي حقهم، وقيل: إليهم. لَوْ كانَ الإيمان. ما سَبَقُونا إِلَيْهِ فهم أناس أدنياء، إذ عامتهم فقراء وموالي ورعاة. وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ أي حينما لم يهتد القائلون بالقرآن، وإذ للماضي ظرف لمحذوف مثل: ظهر عنادهم. هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ أي القرآن كذب قديم، مثل قولهم: أساطير الأولين.
وَمِنْ قَبْلِهِ من قبل القرآن. كِتابُ مُوسى التوراة. وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ أي القرآن مؤيد لكتاب موسى. لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا هم مشركو مكة، وهو علة لقوله.
مُصَدِّقٌ وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ أي والقرآن مبشر للمؤمنين.
إِنَّ الَّذِينَ قالُوا: رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا على الطاعة، أي جمعوا بين التوحيد الذي هو خلاصة العلم، والاستقامة في أمور الدين والعمل، وقوله ثُمَّ للدلالة على تأخير رتبة العمل وتوقفه على التوحيد. فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ من لحوق مكروه في المستقبل. وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ على فوات محبوب في الماضي، والفاء في فَلا لتضمن جملة إِنَّ الَّذِينَ معنى الشرط. جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ من اكتساب الفضائل العلمية والعملية.

صفحة رقم 24

سبب النزول: نزول الآية (١١) :
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا: أخرج الطبراني عن قتادة قال: قال ناس من المشركين: نحن أعزّ، ونحن ونحن، فلو كان خيرا ما سبقنا إليه فلان وفلان، فنزل وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا...
وأخرج ابن المنذر عن عون بن أبي شداد قال: كانت لعمر بن الخطاب أمة أسلمت قبله يقال لها (زنّين) أو (زنّيرة) فكان عمر يضربها على إسلامها حتى يفتر، وكان كفار قريش يقولون: لو كان خيرا ما سبقتنا إليه زنين، فأنزل اللَّه في شأنها: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا: لَوْ كانَ خَيْراً الآية.
وقال عروة بن الزبير: إن زنّيرة- رومية كان أبو جهل يعذبها- أسلمت، فأصيب بصرها، فقالوا لها: أصابك اللات والعزّى، فرد اللَّه عليها بصرها، فقال عظماء قريش: لو كان ما جاء به محمد خيرا ما سبقتنا إليه زنّيرة، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية.
وقال ابن عباس والكلبي والزجاج: إن الذين كفروا هم بنو عامر وغطفان وتميم وأسد وحنظلة وأشجع، قالوا لمن أسلم من غفار وأسلم وجهينة ومزينة وخزاعة: لو كان ما جاء به محمد خيرا ما سبقتنا إليه رعاة البهم، إذ نحن أعزّ منهم.
وقال أكثر المفسرين: إن الذين كفروا من اليهود قالوا للذين آمنوا- يعني عبد اللَّه بن سلام وأصحابه-: لو كان دين محمد حقا ما سبقونا إليه.
المناسبة:
هذه شبهة أخرى للقوم: المشركين أو اليهود، في إنكار نبوة محمد صلّى اللَّه عليه وسلّم،

صفحة رقم 25

تتعلق بإيمان جماعة من الفقراء كعمّار وصهيب وابن مسعود، فقالوا: لو كان هذا الدين خيرا ما سبقنا إليه هؤلاء. ثم رد اللَّه تعالى عليهم بأن التوراة دلت على صدق القرآن، وبشرت ببعثة محمد صلّى اللَّه عليه وسلّم.
وبعد تقرير دلائل التوحيد والنبوة وذكر شبهات المنكرين والإجابة عنها، ذكر تعالى جزاء المؤمنين العاملين عملا صالحا، طبقا لما جاء به القرآن المجيد.
التفسير والبيان:
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا: لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ أي قال كفار مكة أو اليهود لأجل إيمان بعض الفقراء والمستضعفين، كبلال وعمار وصهيب وخباب ونحوهم رضي اللَّه عنهم: لو كان هذا الدين حقا وكان ما جاء به محمد من القرآن والنبوة خيرا ما سبقونا إلى الإيمان به، ظنا منهم أنهم سبّاقون إلى المكارم، وأن لهم وجاهة عند اللَّه، وله بهم عناية.
وقد غلطوا في ذلك غلطا فاحشا، فإن اللَّه سبحانه يصطفي للنبوة ولدينه من يشاء، والآية كقوله تعالى: وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا: أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا [الأنعام ٦/ ٥٣] أي يتعجبون كيف اهتدى هؤلاء دوننا.
وقوله تعالى: لِلَّذِينَ آمَنُوا معناه كما ذكر الزمخشري: لأجلهم، يعني أن الكفار قالوا لأجل إيمان الذين آمنوا: لو كان خيرا ما سبقونا إليه. ويصح أن يكون المعنى: وقال الذين كفروا للذين آمنوا، على وجه الخطاب، كما تقول: قال زيد لعمرو، ثم تترك الخطاب وتنتقل إلى الغيبة، كقوله تعالى:
حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ [يونس ١٠/ ٢٢].
ثم وصف اللَّه تعالى حال أولئك الكفار بعد ذلك القول وأجاب عنه بقوله:

صفحة رقم 26

وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ، فَسَيَقُولُونَ: هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ أي وحين لم يهتدوا بالقرآن، ظهر عنادهم، وسيقولون بعدئذ: هذا كذب مأثور عن الناس الأقدمين، كما قالوا: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ بقصد انتقاص القرآن وأهله. وهذا هو الكبر الذي
قال عنه رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم فيما رواه مسلم والترمذي عن ابن مسعود: «الكبر: بطر الحق، وغمص- أو غمص- الناس»
أي احتقارهم. وبطر الحق:
دفعه ورده.
ثم ذكر اللَّه تعالى دليلا على صدق القرآن وصحته، فقال:
وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً، وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِساناً عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا، وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ أي ومما يدل على أن القرآن حق وصدق وأنه من عند اللَّه: اعترافكم بإنزال اللَّه التوراة على موسى، الذي هو إمام وقدوة يقتدى به في الدين، وهو رحمة لمن آمن به، وهذا القرآن الموافق للتوراة في أصول الشرائع مصدق لكتاب موسى ولغيره من الكتب الإلهية المتقدمة، أنزله اللَّه حال كونه بلغة عربية واضحة فصيحة يفهمونها، من أجل أن ينذر به هذا النبي من عذاب اللَّه الذين ظلموا أنفسهم وهم مشركو مكة، ويبشر به المؤمنين الذين أحسنوا عملا، فهو مشتمل على النذارة للكافرين، والبشارة للمؤمنين. وهو ليس إفكا قديما كما يزعمون، بدليل توافقه مع التوراة.
وبعد ذكر شبهات المنكرين، ذكر اللَّه تعالى حال المؤمنين وجزاءهم قائلا:
إِنَّ الَّذِينَ قالُوا: رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا، فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ، وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ أي إن الذين جمعوا بين التوحيد والاستقامة على منهج الشريعة، لا يخافون من وقوع مكروه بهم في المستقبل، ولا يحزنون من فوات محبوب في الماضي، وجزاؤهم ما قال تعالى:
أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها، جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ أي أولئك المؤمنون الموحدون المستقيمون على أمر اللَّه هم أهل الجنة، ماكثين فيها على

صفحة رقم 27

الدوام، مقابل ما قدموه من أعمال صالحة في الدنيا، أي أن الجزاء بسبب العمل الصالح في الدنيا.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١- إن شأن المتكبرين المقصرين تسويغ تقصيرهم بأتفه الأسباب وأسخف المقالات بدافع الكبر والاستعلاء، لذا قال أهل مكة: لو كان هذا الدين حقا ما سبقنا إليه هؤلاء العبيد والمستضعفون، وأضافوا إلى ذلك حينما لم يهتدوا افتراءهم بقولهم: هذا القرآن كذب متوارث، وأساطير الأولين. ومن جهل شيئا عاداه.
٢- مما يدل على صدق القرآن وأنه من عند اللَّه توافقه في أصول العقيدة والشريعة مع التوراة كتاب موسى عليه السلام الذي يقرّون بأنه كتاب اللَّه، فهو قدوة ورحمة يؤتم به في دين اللَّه وشرائعه، والقرآن مصدّق للتوراة ولما قبله من كتب اللَّه في أن محمدا صلّى اللَّه عليه وسلّم رسول حقا من عند اللَّه، وهو بلغة عربية فصيحة بيّنة واضحة لكل من نظر فيه وتأمل، يشتمل على إنذار الكافرين وبشارة المؤمنين.
وكأنه تعالى قال: الذي يدل على صحة القرآن: أنكم لا تنازعون في أن اللَّه تعالى أنزل التوراة على موسى عليه السلام، وجعل هذا الكتاب إماما يقتدى به، ثم إن التوراة مشتملة على البشارة بمقدم محمد صلّى اللَّه عليه وسلّم، فإذا سلّمتم كون التوراة إماما يقتدى به، فاقبلوا حكمه في كون محمد صلّى اللَّه عليه وسلّم رسولا حقا من عند اللَّه تعالى.
٣- إن الذين جمعوا بين الإيمان بالله وحده لا شريك له، وبين الاستقامة على الشريعة في غاية السعادة النفسية والمادية، فهم آمنون مطمئون مرتاحون لا يعكر صفوهم مخاوف المستقبل ولا أحزان الماضي، وهم خالدون دائمون في جنات النعيم، بسبب ما قدموا من عمل صالح في دار الدنيا.

صفحة رقم 28

التفسير المنير

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر المعاصر - دمشق
سنة النشر 1418
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية