ﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰ

المعنى الجملي : لا يزال الكلام موصولا بسابقه، فبعد أن نعى عليهم استهزاءهم بكتابه وقولهم فيه : إنه سحر مفترى ورد الرسول عليهم بأنه ليس بأول رسول حتى يستنكرون نبوته ويطلبون منه ما لا قبل له به من المعجزات التي أمرها بيد الله لا بيده – أردف هذا أمر رسوله أن يقول لهم : ما ظنكم أن الله صانع بكم إن كان هذا الكتاب الذي جئتكم به قد أنزله الله علي لأبلغكموه فكفرتم به وكذبتموه ؟ وقد شهد شاهد من بني إسرائيل الواقفين على أسرار الوحي بما أوتوا من التوراة على مثل ما قلت، فآمن واستكبرتم ؟ثم حكى عنهم شبهة أخرى بشأن إيمان من آمن منهم من الفقراء كعمار وصهيب وابن مسعود فقالوا : لو كان هذا الدين خيرا ما سبقنا إليه هؤلاء، ثم ذكر أنهم حين لم يهتدوا به قالوا : إنه من أساطير الأولين، ثم ذكر أن مما يدل على صدق القرآن أن التوراة وهي الإمام المقتدى به، بشرت بمقدم محمد صلى الله عليه وسلم فاقبلوا حكمها في أنه رسول حقا من عند الله، ثم أعقب هذا ببيان أن من آمنوا بالله وعملوا صالحا لا يخافون مكروها، ولا يحزنون لفوات محبوب، وأولئك هم أهل الجنة، جزاء ما عملوا من عمل صالح، وما أخبتوا لربهم، وانقادوا لأمره ونهيه.
الإيضاح : ثم حكى نوعا آخر من أقاويلهم الباطلة في القرآن العظيم والمؤمنين به فقال :
وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه أي وقال كفار مكة لأجل إيمان من آمن من فقراء المؤمنين كعمار وصهيب وابن مسعود ومن لف لفهم : لو كان ما أتى به محمد خيرا ما سبقنا إليه هؤلاء، فإن معالي الأمور لا تنالها أيدي الأراذل، وهؤلاء سقاط الناس ورعاة الإبل والشاء، وقد قالوا ذلك زعما منهم أنهم المستحقون للسبق إلى كل مكرمة، وأن الرياسة الدينية مما تنال بأسباب دنيوية، وقد غاب عنهم أنها منوطة بكمالات نفسية وملكات روحية مبناها الإعراض عن زخارف الدنيا الدنية والإقبال على الآخرة، وأن من فاز بها فقد حازها بحذافيرها، ومن حرمها فما له فيها من خلاق، ولم يعلموا أن الله يختص برحمته من يشاء ويصطفي لدينه من يشاء.
وعن قتادة قال : قال ناس من المشركين نحن أعز ونحن ونحن فلو كان خيرا ما سبقنا إليه فلان وفلان فنزلت هذه الآية.
وروي أنه لما أسلمت جهينة ومزينة وأسلم وغفار قالت بنو عامر وغطفان وأشجع وأسد : لو كان هذا خيرا ما سبقتنا إليه رعاء البهم والشاء.
فأجابهم الله عن هذا بقولهم :
وإذا لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم أي وقد ظهر عنادهم واستكبارهم إذ لم يهتدوا به، وسيقولون الفينة بعد الفينة والحين بعد الحين : هذا كذب مأثور عن الأقدمين، انتقاصا له ولأهله، واستكبارا عن اتباع الحق. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( الكبر بطر الحق وغمص – احتقار – الناس ).
ونحو الآية قوله تعالى حكاية عنهم : وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا ( الفرقان : ٥ ).

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير