ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌ

محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم .
محمد بن عبد الله مبعوث ربنا إلى المكلفين كافة- الجن والإنس- وأصحابه وأتباعه شداد على الأعداء ؛ متآخون متحابون فيما بينهم، يرحم بعضهم بعضا.
[.. محمد رسول الله مبتدأ وخبر، والجملة.. مبنية للمشهود به١ ؛ أما على كونه الرسالة فظاهر، وأما على كونه محقق الوعد٢ فقيل : لأن كينونة ما وعده لازمة لكونه عليه الصلاة والسلام رسول الله، إذ هو لا يوعد إلا بما هو مُحقّق، ولا يخبر إلا عن كل صدق ]٣.
يقول الحافظ عماد الدين : وهذه صفة المؤمنين أن يكون أحدهم شديدا عنيفا على الكفار ؛ رحيما برا بالأخيار ؛ غضوبا عبوسا في وجه الكافر، ضحوكا بشوشا في وجه أخيه المؤمن ؛ كمال قال تعالى : يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين ٤، وقال النبي صلى الله عليه وسلم :( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر ). وقال صلى الله عليه وسلم :( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا )، وشبك صلى الله عليه وسلم بين أصابعه ؛ كلا الحديثين في الصحيح.
[ وبلغ من تراحمهم فيما بينهم أنه كان لا يرى مؤمن مؤمنا إلا صافحه وعانقه، والمصافحة لم يختلف فيها الفقهاء، أخرج أبو داوود عن البراء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إذا التقى المسلمان فتصافحا وحمدا الله واستغفراه غفر لهما )، وفي رواية الترمذي :( ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يتفرقا ) ؛ وفي الأذكار النووية أنها مستحبة عند كل لقاء، وأما ما اعتاده الناس بعد صلاتي الصبح والعصر فلا أصل له ولكن لا بأس به، فإن أصل المصافحة سنة، وكونهم محافظين عليها في بعض الأحوال ومفرطين في كثير منها لا يخرج ذلك البعض عن كونه من المصافحة التي ورد الشرع بأصلها، وجعل ذلك العز بن عبد السلام في قواعده من البدع المباحة... وأما المعانقة فقال الزمخشري : كرهها أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه، وكذلك التقبيل، قال : لا أحب أن يقبل الرجل من الرجل وجهه ولا يده ولا شيئا من جسده، ورخص أبو يوسف-عليه الرحمة- المعانقة ؛ ويؤيد ما روي عن الإمام ما أخرجه الترمذي عن أنس قال : سمعت رجلا يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله ! الرجل منا يلاقي أخاه أينحني له ؟ قال :" لا ". قال : أفيلتزمه ويقبله ؟ قال :" لا ". قال : أيأخذ بيده ويصافحه ؟ قال :" نعم " وفي الأذكار : التقبيل وكذا المعانقة لا بأس به عند القدوم من سفر ونحوه، ومكروه كراهة تنزيه في غيره، وللأمرد الحسن حرام بكل حال ؛ أخرج الترمذي – وحسنه- عن عائشة قالت : قدم زيد بن خالد بن حارثة المدينة ورسول الله في بيتي فقرع الباب فقام إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم يجر ثوبه فاعتنقه وقبله ؛ وزاد رزين في حديث أنس-السابق- بعد قوله : ويقبله ؟ قال :" لا. إلا أن يأتي من سفره ". وروى أبو داود : سأل أبو ذر : هل كان صلى الله عليه وسلم يصافحكم إذا لقيتموه ؟ قال : ما لقيته قط إلا صافحني، وبعث إليّ ذات يوم ولم أكن في أهلي، فجئت فأُخْبِرْتُ أنه صلى الله عليه وسلم أرسل إليّ فأتيته وهو على سريره فالتزمني فكانت أجود أجود ؛ وهذا يؤيد الإطلاق المحكي عن أبي يوسف، وينبغي التأسي بهم- رضي الله تعالى عنهم- في التشدد على أعداء الدين، والرحمة على المؤمنين ؛ وقد أخرج ابن أبي شيبة، وأبو داوود عن عبد الله بن عمر-مرفوعا- :( ومن لم يرحم صغيرنا ويعرف حق كبيرنا فليس منا )، وأخرجاهما وأحمد وابن حبان والترمذي – وحسنه- عن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( لا تنزع الرحمة إلا من شقي ) ؛ ولا بأس بالبر والإحسان على عدو الدين إذا تضمن مصلحة شرعية كما أفاد ذلك ابن حجر في فتاويه الحديثية فليراجع ]٥.
تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة .
يحافظون على الصلاة ويستكثرون منها بركوعها وسجودها يرجون بذلك أن يتفضل المولى عليهم بثواب جزيل، ويهبهم فوق ذلك رضاه- تبارك اسمه- علاماتهم تبدو عليهم، فصلاتهم نهتهم عن الفحشاء والمنكر، وكساهم ربهم بخشوعهم مهابة ووقارا، هكذا أوحى الله مثل المؤمنين وصفتهم العجيبة في التوراة.
[ وفي الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة- وفيه-( حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد وأراد أن يُخْرِج برحمته من أراد من أهل النار أمر الملائكة أن يُخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئا ممن أراد الله أن يرحمه ممن يقول لا إله إلا الله فيعرفونهم في النار بأثر السجود تأكل النار ابن آدم إلا أثر السجود حرم الله على النار أن تأكل أثر السجود ).. وقال ابن عباس ومجاهد : السيما في الدنيا، وهو السمت الحسن ؛ وعن مجاهد أيضا : هو الخشوع والتواضع ؛ قال منصور : سألت مجاهدا عن قوله تعالى : سيماهم في وجوههم أهو أثر يكون بين عيني الرجل ؟ قال : لا، ربما يكون بين عيني الرجل مثل ركبة العنز وهو أقسى قلبا من الحجارة ! ولكنه نور في وجوههم من الخشوع ؛ وقال ابن جرير : هو الوقار والبهاء ]٦.
ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار .
شطأه فراخه وأولاده.
فآزره فأعانه وقواه.
فاستغلظ مبالغة في الغلظ، كما في قوله سبحانه : فاستعصم .
مثلٌ ساقه الله تعالى لأهل الإيمان وأُوحِيَ إلى عيسى عليه السلام من قبل : أن أتباع هذا الدين يتكاثرون ويتناصرون ؛ وقال قتادة : مثل أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في الإنجيل مكتوب : إنه سيخرج من قوم ينبتون نبات الزرع، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.
[ وهذا مثل ضربه الله تعالى لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : يعني أنهم يكونون قليلا ثم يزدادون ويكثرون، فكان النبي صلى الله عليه وسلم حين بدأ بالدعاء إلى دينه ضعيفا، فأجابه الواحد بعد الواحد حتى قوي أمره، كالزرع يبدو بعد البذر ضعيفا، فيقوى حالا بعد حال، حتى يغلظ نباته وأفراخه ]٧
أقول : ولعل الأولى أن يبقى اللفظ على عمومه، وأن صفة المؤمن أن يرعى الضعيف، ويأخذ بيد الفاقد حتى يقوى، فينضم العود إلى العود، فإذا هُم كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا، يفرح بهم المحبون، ويغتاظ لتآزرهم الكافرون ؛ والأخوة أخو الإيمان، والتفرق أخو الكفر : واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ٨.
وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما( ٢٩ ) .
إذا أريد بمن أشير إليهم في بداية هذه الآية الكريمة كل من آمن واتبع محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه تقرير لجزاء ومصير المؤمنين الصالحين، وبشرى لهم بالثواب الكريم والنعيم المقيم ؛ وإن أريد بهم الصحب الكرام عليهم رضوان الله ف منهم لبيان الجنس وليست للتبعيض [ كما في قول الله – تبارك اسمه- : .. فاجتنبوا الرجس من الأوثان.. ٩.. ويقصد به كل الرجس، إذا كان الرجس، يقع من أجناس شتى، منها الزنا، والربا، وشرب الخمر، والكذب، فأدخل – ( من )- يفيد بها الجنس، وكذا منهم أي من هذا الجنس، يعني الصحابة ؛ ويقال : أنفق نفقتك من الدراهم ؛ أي اجعل نفقتك من هذا الجنس ]١٠.

١ يشير إلى قوله تعالى .. وكفى بالله شهيدا..
٢ يريد الوعد الذي تضمنته الآية الكريمة السابقة:.. أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله....
٣ نقله الألوسي عن أبي حيان..
٤ سورة التوبة. الآية ١٢٣..
٥ روح المعاني جـ٢٦ص، ١٢٣، ١٢٤..
٦ الجامع لأحكام القرآن. جـ١٦، ص ٢٩٣، ٢٩٤..
٧ ما بين العارضتين أورده القرطبي..
٨ سورة آل عمران..
٩ سورة الحج. من الآية ٣٠..
١٠ سورة الدخان. من الآية ٨..

فتح الرحمن في تفسير القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

تعيلب

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير