مثلهم: أي وصفهم العجيب الجاري مجرى الأمثال فى الغرابة، والشطء: فروخ الزرع، وهو ما خرج منه وتفرع فى شاطئيه: أي جانبيه وجمعه أشطاء، وشطأ الزرع وأشطأ: إذا أخرج فراخه، وهو فى الحنطة والشعير والنخل وغيرها، وآزره: أعانه وقوّاه وأصله من المؤازة وهى المعاونة، واستوى على سوقه: أي استقام على قصبه وأصوله، والسوق، واحدها ساق.
المعنى الجملي
بعد أن ذكر أنه أرسل رسوله بالهدى ودين الإسلام، ليعلى شأنه على سائر الأديان أردف هذا بيان حال الرسول والمرسل إليهم، فوصفهم بأوصاف كلها مدائح لهم، وذكرى لمن بعدهم، وبها سادوا الأمم، وامتلكوا الدول، وقبضوا على ناصية العالم أجمع، وهى:
(١) إنهم غلاظ على من خالف دينهم وناوأهم العداء، رحماء فيما بينهم.
(٢) إنهم جعلوا الصلاة والإخلاص لله ديدنهم فى أكثر أوقاتهم.
(٣) إنهم يرجون بعملهم الثواب من ربهم والزلفى إليه ورضاه عنهم.
صفحة رقم 114
(٤) إنّهم لهم سيمى يعرفون بها، فلهم نور فى وجوههم، وخشوع وخضوع يعرفه أولو الفطن.
(٥) إن الإنجيل ضرب بشأنهم المثل فقال: سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.
ذاك أنهم فى بدء الإسلام كانوا قليلى العدد ثم كثروا واستحكموا وترقى أمرهم يوما قيوما حتى أعجب الناس بهم، فإن النبي ﷺ قام وحده ثم قوّاه الله بمن معه كما يقوّى الطاقة الأولى من الزرع ما يحتفّ بها مما يتوالد منها.
الإيضاح
(مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ) أي إن محمدا ﷺ رسول الله بلا شك ولا ريب مهما أنكر المنكرون، وافترى الجاحدون.
(وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ) أي إن صحابته الذين معه غليظة قلوبهم على الكفار، رقيقة قلوب بعضهم على بعض، لينة أنفسهم لهم، هينة عليهم.
ونحو الآية قوله: «فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ، أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ» وقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً»
وفى الحديث «مثل المؤمنين فى توادّهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمّى والسهر»
وقوله ﷺ «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا، وشبك بين أصابعه»
وعلى هذا جاء قوله:
حليم إذا ما الحلم زين أهله
على أنه عند العدو مهيب
صفحة رقم 115
(تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً) أي تراهم دائبين على الصلاة مخلصين لله محتسبين فيها الأجر وجزيل الثواب عنده طالبين رضاه عنهم «ورضوان من الله أكبر».
(سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ) أي لهم سمت حسن وخشوع وخضوع يظهر أثره فى الوجوه، ومن ثم قيل: إن للحسنة نورا فى القلب، وضياء فى الوجه وسعة فى الرزق، ومحبة فى قلوب الناس. وقال عثمان بن عفان رضى الله عنه: ما أسرّ أحد سريرة إلا أبداها الله تعالى على صفحات وجهه، وفلتات لسانه.
روى عن عمر أنه قال: من أصلح سريرته أصلح الله علانيته،
وعن أبى سعيد رضى الله عنه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال «لو أن أحدكم يعمل فى صخرة صماء ليس لها باب ولا كوّة لخرج عمله للناس كائنا ما كان».
والخلاصة- إن كل ما يفعله المرء أو يتصوره يظهر على صفحات الوجه، فالمؤمن إذا كانت سريرته صحيحة مع الله أصلح الله عز وجل ظاهره للناس.
ثم أخبر سبحانه أنه نوّه بفضلهم فى الكتب المنزلة والأخبار المتداولة فقال:
(ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ) أي هذه الصفة التي وصفت لكم من صفات أتباع محمد صلّى الله عليه وسلّم هى صفتهم فى التوراة.
(وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ) أي إن أصحاب محمد صلّى الله عليه وسلّم يكونون قليلين ثم يزدادون ويكثرون ويستغلظون كزرع أخرج فراخه التي تتفرع على جانبيه كما يشاهد فى الحنطة والشعير وغيرهما، فيقوى ويتحول من الدقة إلى الغلظ، ويستقيم على أصوله، فيعجب به الزراع لقوّته وكثافته وغلظه وحسن منظره.
والخلاصة- إن هذا مثل ضربه الله لبدء الإسلام وترقيه فى الزيادة إلى أن قوى واستحكم وأعجب الناس.
صفحة رقم 116
روى أنس بن مالك أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «أرحم أمتى أبو بكر، وأشدهم فى أمر الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأقضاهم علىّ، وأفرضهم زيد، وأقرؤهم أبىّ، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، ولكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجرّاح».
ثم بين أنه إنما جعلهم كذلك.
(لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ) أي إنه تعالى نمّاهم وأكثر عددهم ليغيظ بهم الكفار، إذ يعتقدون أن الله متمّ بهم نوره ولو أبى الجاحدون.
[تنبيه] هذه أوصاف الأمة الإسلامية أيام عزها، فانظر الآن وتأمل فى تخاذلها وجهلها حتى أصبحت مثلا فى الخمول والجهل، وأصبحت زرعا هشيما تذروه الرياح، فكيف يجتمع عصفه وتبنه؟
ولعل الله يبدل الحال غير الحال ويخضرّ الزرع بعد ذبوله، وتعود الأمة سيرتها الأولى مهيبة مرعية الجانب مخشية القوة.
(وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً) أي وعد سبحانه هؤلاء الذين آمنوا بمحمد صلّى الله عليه وسلّم أن يغفر ذنوبهم ويجزل أجرهم بإدخالهم جنات النعيم، ووعد الله حق وصدق لا يخلف ولا يبدل.
وكل من اقتفى أثر الصحابة فهو فى حكمهم، ولهم السبق والفضل والكمال الذي لا يلحقهم فيه أحد.
روى مسلم فى صحيحه عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم «لا تسبوا أصحابى، فو الذي نفسى بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مدّ أحدهم ولا نصيفه (نصفه) »
رضى الله عنهم وأرضاهم.
[خاتمة] هذه السورة آخر القسم الأول من القرآن الكريم وهو المطول، وسيأتى القسم الثاني، وهو المفصل.
صفحة رقم 117
خلاصة مقاصد هذه السورة
(١) بشارة النبي صلّى الله عليه وسلّم بالفتح وإعزاز دين الله.
(٢) وعد المؤمنين ووعيد الكافرين والمنافقين.
(٣) ذم المخلّفين من عرب أسلم وجهينة ومزينة وغفار.
(٤) رضوان الله على المؤمنين الذين بايعوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تحت الشجرة، ووعده إياهم بالنصر فى الدنيا، وبالجنة فى الآخرة.
(٥) البشرى بتحقق رؤيا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنهم يدخلون المسجد الحرام آمنين، وقد تمّ لهم ذلك فى العام المقبل.
(٦) وصف النبي صلّى الله عليه وسلّم والذين آمنوا معه بالرحمة والشدة.
(٧) وعد الله للذين آمنوا وعملوا الصالحات بالمغفرة والأجر العظيم.