ويتابع القرآن على لسان عيسى عليه السلام ما يناقض ما قاله بعض من أتباعه فيقول :
ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد( ١١٧ ) .
لقد عرض سيدنا عيسى عليه السلام – من خلال قوله لربه تبارك وتعالى – المنهج الذي جاء به على الناس جميعا وبلغه تمام البلاغ، فقد أبلغ أنه عبد لله وأنه رسوله، ومادام الحق علام الغيوب فهو أعلم بكل شيء حتى بما في النفس، كأنه يثبت أيضا أن نفسه لم تحدثه بأي خاطر من تلك الخواطر. ويعلن أنه لم يبلغ إلا ما أمر به الله.
ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد( ١١٧ ) ( سورة المائدة ).
والشهيد هو الرائي الذي لا عمل له في تحريك المشهود إلى غير ما شهده. ويقول عيسى ابن مريم عليه السلام : فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأمر توفيه الحق لرسالة عيسى ورفعه إليه، قد ذكرناه من قبل في خواطرنا ولكن أضيف الآن بعضا من اللمحات ؛ لأنني أرى أن من حق كل قارئ أو متلق لهذه الخواطر أن يجد الخلاصة الملائمة التي تغنيه عن الرجوع إلى ما سبق من قول في هذا الأمر، وذلك حتى تتصل المعاني في ذهن القارئ.
لقد كان لميلاد عيسى عليه السلام ضجة، وكذلك كان لمسألة توفي الله له ضجة. ولقد شبه الله لقتلة عيسى أنهم قتلوه، فعندما أرادوا أن يقتلوه دخل خوخة، والخوخة هي باب في باب، وهذا نظام البيوت القديمة حيث يوجد باب كبير لإدخال الأشياء الكبيرة وفي هذا الباب الكبير يوجد باب صغير يسمح بمرور الأفراد. وفي سقف هذا البيت فتحة. وعندما دخل رجل يدعى ( تطيانوس ) طالبا لعيسى عليه السلام نظر عيسى لأعلى ووجد شيئا قد رفعه، واستبطأ القوم تطيانوس وخرج عليهم من بعد ذلك، فتساءلوا : إن كان هذا تطيانوس فأين عيسى ؟ وإن كان هذا عيسى فأين تطيانوس ؟
إذن فقد اختلط عليهم الشبه بعد أن ألقى الله شبه عيسى على تطيانوس. أو أن عيسى حينما دخلوا عليه كان معه الحواريون وقال عيسى للحواريين : أيكم يلقى شبهي عليه وله الجنة ؟. وكان كل حواري يعلم أنه لا رسالة له مثل عيسى عليه السلام، فماذا إذن يريد الحواري لنفسه أكثر من الجنة ؟. تقدم ( سرخس ) فألقي عليه شبه المسيح عليه السلام وقتل اليهود سرخس. أو أن الذين ذهبوا لقتل عيسى وعرفوا أنه رفع فخافوا أن تنتشر حكاية رفع عيسى بين الناس فيؤمنوا به، ولهذا جاء القتلة بشخص وقتلوه. أو أن القتيل هو واحد ممن باعوا عيسى لليهود وتيقظت في نفسه ملكة التوبة فقدم نفسه بدلا وفداء للرسول.
ومسألة التوفي – كما نعلم – هي الأخذ كاملا دون نقض للبينة بالقتل، ونحن – المسلمين – نعرف أن الحق رفع محمدا صلى الله عليه وآله وسلم بالإسراء والمعراج إلى السماوات وعاد إلينا مرة أخرى ليكمل رسالته ؛ لذلك نصدق أمر رفع عيسى وأن الله توفاه، أي استرده كاملا دون نقض للبنية، وأنه سيعود مرة أخرى ليصلي خلف مؤمن بالله وبمحمد رسول الله.
وإن أمر الرفع في الإسلام مقبول. فقد رفع الله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالمعراج، ودار بينه وبين إبراهيم عليه السلام حوار، وكذلك دار حوار بينه وبين يحيى عليه السلام، وآدم عليه السلام وغيرهم من الأنبياء، وفرض الحق الصلاة على أمة المسلمين في تلك الرحلة.
نحن – إذن – نصدق تماما صعود الإنسان بشحمه ولحمه إلى السماء كأمر وارد وحاصل، أما طول المدة أو عدمها فذلك لا ينقض المبدأ.
أما مسألة ارتباط نزول عيسى ابن مريم إلى الأرض بقيام الساعة، فالنصوص في هذه المسألة من القرآن الكريم محتملة وغير قطعية الدلالة، وقد وردت في السنة النبوية المطهرة، ولكنها غير معلومة من الدين بالضرورة فلا نكفر من يتأبى عليه فهمها، وقد أراد الحق سبحانه الرحمة بالخلق ؛ لذلك فكل شيء يقف فيه العقل ولا يزيد به حكم من الأحكام يأتي به الله في أسلوب لا يسبب الفتنة. فإن صدقنا أن عيسى رفع فلن يزيد ذلك علينا حكما ولن ينقص حكما، ولذلك جاء الحق سبحانه بمسألة الإسراء بنص قطعي، أما مسألة المعراج فلم تأت نصا في القرآن بل جاءت التزاما لأن الحق سبحانه قال :
ولقد رآه نزلة أخرى ( ١٣ ) عند سدرة المنتهى ( ١٤ ) عندها جنة المأوى ( ١٥ ) ( سورة النجم )
وهكذا فالإسراء آية أرضية، والمعراج آية سماوية. والآية الأرضية يمكن أن يقيم رسول الله الدليل عليها، وقد ذهب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى البيت المقدس ووصفه لهم بقوله سبحانه :
سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله ( ١ ) ( من الآية ١ سورة الإسراء ).
لقد ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أوصاف القوافل التي رآها في طريق العودة، إذن كان الإسراء آية أرضية أما الآية السماوية وهي المعراج فجاءت التزاما وكذلك أمر رفع عيسى عليه السلام، فمن يرى أن ذلك جاء من طلاقة قدرة الله فهو يصدق ذلك. ومن يقف عقله نقول له : إن وقوف عقلك لا يخرجك عن الإيمان واليقين. وعندما نتأمل بالدقة اللغوية كلمة ( توفيتني ) نجد ( توفاه ) قد تعني أماته، فالحق سبحانه يقول :
قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم( ١١ ) ( من الآية ١١ سورة السجدة )
والحق سبحانه وتعالى يقول أيضا :
والله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى ( من الآية ٤٢ سورة السجدة ).
إنه سبحانه يسمي النوم وفاة، وسماه – أيضا – موتا. وهو أمر فيه إرسال وفيه قبض. ومعنى الموت في بعض مظاهره غياب حس الحياة، والذي ينام إنما يغيب عن حس الحياة، إذن فممكن أن تكون الوفاة بمعنى النوم. ويقال أيضا عن الدين توفيت ديني عند فلان أي أخذت ديني كاملا غير منقوص. وكذلك أمر قتل المسيح قال فيه الحق جل وعلا القول الفصل :
وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم ( من الآية ١٥٧ سورة النساء )
ونعرف أن الموت يقابله القتل أيضا، فالحق يقول : أفأين مات أو قتل ( من الآية ١٤٤ سورة آل عمران ).
فالموت هو خروج الروح مع بقاء الأبعاض سليمة، أما القتل فهو إحداث إتلاف في البنية فتذهب الروح. وقد قال الحق على لسان المسيح : فلما توفيتني أي أخذتني كاملا غير منقوص. وهذه مسألة لا تنقض الرفع. ونعلم أن كل ذلك سيكون مجالا للحوار بين عيسى ابن مريم والحق سبحانه يوم المشهد الأعظم جاء به القرآن لنا ليخبرنا بالذي يثبت صدق الإيمان.
إن عيسى عليه السلام يقول عن نفسه : إنه مجرد شهيد على قومه في زمن وجوده بينهم، ولكن بعد أن رفعه الله إليه فالرقابة على القوم تكون لله، فالحق سبحانه شهيد دائما ورقيب دائما، ولكن عيسى ببشريته يقدر أن يشهد فقط، والله القادر وحده على أن يشهد ويغير ويمنع.
تفسير الشعراوي
الشعراوي