قوله : مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ هذه جملة مقرّرة لمضمون ما تقدّم، أي ما أمرتهم إلا بما أمرتني : أَنِ أعبدوا الله رَبّي وَرَبَّكُمْ هذا تفسير لمعنى مَا قُلْتُ لَهُمْ أي ما أمرتهم، وقيل : عطف بيان للمضمر في بِهِ وقيل بدل منه وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً أي حفيظاً ورقيباً أرعى أحوالهم وأمنعهم عن مخالفة أمرك مَا دُمْتُ فِيهِمْ أي مدّة دوامي فيهم فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي قيل : هذا يدل على أن الله سبحانه توفاه قبل أن يرفعه، وليس بشيء لأن الأخبار قد تضافرت بأنه لم يمت، وأنه باق في السماء على الحياة التي كان عليها في الدنيا، حتى ينزل إلى الأرض آخر الزمان، ومنه قوله تعالى : الله يَتَوَفَّى الأنفس حِينَ مِوْتِهَا وبمعنى النوم، ومنه قوله تعالى : وَهُوَ الذي يتوفاكم بالليل أي ينيمكم، وبمعنى الرفع، ومنه فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي . إِذْ قَالَ الله يا عيسى إِنّي مُتَوَفّيكَ . كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ أصل المراقبة : المراعاة، أي كنت الحافظ لهم والعالم بهم والشاهد عليهم.
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس في قوله : أَنِ اعبدوا الله رَبّي وَرَبَّكُمْ قال : سيدي وسيدكم. وأخرج ابن المنذر، عنه في قوله : كُنتَ أَنتَ الرقيب عَلَيْهِمْ قال : الحفيظ. وأخرج الطبراني عن ابن مسعود قال : قال النبيّ صلى الله عليه وسلم : وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ قال :«ما كنت فيهم». وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس إِن تُعَذّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ يقول : عبيدك قد استوجبوا العذاب بمقالتهم وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ أي من تركت منهم ومدّ في عمره حتى أهبط من السماء إلى الأرض لقتل الدجال، فزالوا عن مقالتهم ووحدوك فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عنه في قوله : هذا يَوْمُ يَنفَعُ الصادقين صِدْقُهُمْ يقول : هذا يوم ينفع الموحدين توحيدهم.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني