قَوْله - تَعَالَى -: إِنِّي أُرِيد أَن تبوء بإثمي وإثمك فَتكون من أَصْحَاب النَّار وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمين قَالَ ابْن عَبَّاس، وَابْن مَسْعُود: مَعْنَاهُ: أَن ترجع بإثم قَتْلِي وإثم مَعَاصِيك الَّتِي سبقت، فَإِن قابيل كَانَ رجل سوء، وَقيل: كَانَ كَافِرًا، وَقيل: هُوَ أحد اللَّذين ذكرهمَا الله - تَعَالَى - فِي " حم السَّجْدَة ": وَقَالَ الَّذين كفرُوا رَبنَا أرنا اللَّذين أضلانا من الْجِنّ وَالْإِنْس فَالَّذِي من الْجِنّ إِبْلِيس، وَالَّذِي من الْإِنْس قابيل، وَقَالَ مُجَاهِد: معنى قَوْله: أَن تبوء بإثمي وإثمك : أَن ترجع بإثم قَتْلِي، وإثم معصيتك الَّتِي لم يتَقَبَّل لأَجلهَا قربانك، أَو إِثْم حسدك إيَّايَ، وَهَذَا اخْتِيَار الزّجاج، وَقَالَ ابْن كيسَان: إِنَّمَا قَالَ ذَلِك؛ على طَرِيق التَّمْثِيل، يَعْنِي: لَو قتلت أَنا كَانَ عليّ الْإِثْم، وَلَو قتلت أَنْت كَانَ عَلَيْك الْإِثْم، فَأَنا لَا أقتل حَتَّى تقتل أَنْت؛ فتبوء بالإثمين، فَيكون كلا الإثمين عَلَيْك، فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ قَالَ: أُرِيد أَن تبوء بإثمي وإثمك، وَإِرَادَة الْقَتْل وَالْمَعْصِيَة لَا تجوز؟ أجابوا عَنهُ من وُجُوه: أَحدهَا: قَالُوا: لَيْسَ ذَلِك بِحَقِيقَة إِرَادَة، وَلكنه لما علم أَنه يقْتله لَا محَالة، ووطن نَفسه على الاستسلام؛ طلبا للثَّواب،
صفحة رقم 30
وإثمك فَتكون من أَصْحَاب النَّار وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمين (٢٩) فطوعت لَهُ نَفسه قتل أَخِيه فَقتله فَأصْبح من الخاسرين (٣٠) فَبعث الله غرابا يبْحَث فِي الأَرْض ليريه كَيفَ فَكَأَنَّهُ مُرِيد لقَتله مجَازًا وَإِن لم يكن مرِيدا حَقِيقَة، وَقيل مَعْنَاهُ: إِنِّي أُرِيد أَن تبوء بعقاب قَتْلِي، وعقاب قَتلك؛ فَتكون إِرَادَة على مُوَافقَة حكم الله - تَعَالَى - فِيهِ، وَلَا تكون إِرَادَة للْقَتْل بل لموجب الْقَتْل من الْإِثْم وَالْعِقَاب، وَفِيه قَول ثَالِث: أَن مَعْنَاهُ: إِنِّي أُرِيد أَن تبوء بإثمي وإثمك؛ فَكَأَنَّهُ كَانَ يمنعهُ عَن الْقَتْل، وَأَرَادَ ترك الْقَتْل؛ كَيْلا يبوء بالإثم.
صفحة رقم 31تفسير السمعاني
أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار المروزي السمعاني الشافعي
ياسر بن إبراهيم