المقتول ولا تكن عبد الله القاتل" (١).
وإن أراد أن يدفع القاتل وجب أنْ يَقصد الدفع ولا يقصد القتل، ألا ترى أن ابن آدم قال: مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ، فبان أن بسط اليد لقتل القاصد للقتل لا يجوز.
وقال عبد الله بن عمرو في هذه الآية: والله إن كان المقتول لأشد الرجلين، ولكن منعه التحرج أن يبسط يده لأخيه (٢).
٢٩ - قوله تعالى: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ.
قد مضى الكلام في معنى: باء (٣).
قال ابن عباس والحسن وقتادة وابن مسعود: تحتمل إثم قتلي وإثمك الذي كان منك قبل قتلي (٤).
(١) لم أقف عليه عن محمد بن مسلمة -رضي الله عنه- بهذا اللفظ. وقد أخرج معناه عنه ابن الأثير في "أسد الغابة" ٥/ ١١٣، وانظر: "الإصابة" ٣/ ٣٨٣.
والحديث له شاهد من حديث خالد بن عرفطة -رضي الله عنه- قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: "يا خالد إنها ستكون بعدي أحداث وفتن واختلاف، فإن استطعت أن تكون عبد الله المقتول لا القاتل فافعل".
أخرجه الإِمام أحمد في "مسنده" ٥/ ٢٩٢، والحاكم في "مستدركه" ٤/ ٥١٧، وله شاهد آخر من حديث خباب -رضي الله عنه- عند أحمد ٥/ ١١٠.
(٢) أخرجه الطبري في "تفسيره" ٦/ ١٩١، وانظر ابن كثير في "تفسيره" ٢/ ٥٠، "الدر المنثور" ٢/ ٤٨٤.
(٣) عند قوله تعالى: وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ [البقرة: ٦١].
(٤) أخرجه الطبري في "تفسيره" ٦/ ١٩٢ - ١٩٣، وانظر: "النكت والعيون" ٢/ ٣٠، والبغوي في "تفسيره" ٣/ ٤٣، "زاد المسير" ٢/ ٣٣٥.
وقال الزجاج: ترجع إلى الله بإثم قتلي وإثمك الذي من أجله لم يتقبل قربانك (١).
قال ابن الأنباري: وإنما فصل الإثمين وهما على واحد لاختلاف سببهما (٢).
فإن قيل: كيف قال ابن آدم: إني أريد أن تبوء بالإثمين فجاز أن يريد منه الإثم، وليس للإنسان أن يريد معصية الله من غيره كما ليس له أن يريدها من نفسه؟
والجواب: عن هذا من وجوه: أحدها ما ذكره ابن الأنباري، وهو أن قابيل لما قال لأخيه: لَأَقْتُلَنَّكَ، وعظه هابيل وذكره الله واستعطفه، وقال: لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ الآية، فلما رآه هابيل قد صمم وأخذ له الحجارة يرميه بها، قال له عند الضرورة: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ أي إذا قتلتني ولم يندفع قتلك إياي إلا بقتلي إياك فمحبتي أن يلزمك إثم قتلي إذا قتلتني، فكان هذا عدلًا من هابيل (٣).
وإلى هذا أشار الزجاج فقال: أي إن قتلتني فأنا مريد ذلك (٤).
فهذه الإرادة منه بشرط أن يكون قاتلا له، والإنسان إذا تمنى أن يكون إثم دمه على قاتله لم يلم على ذلك (٥).
(٢) لم أقف عليه.
(٣) لم أقف على قول ابن الأنباري، وقد ذكر ابن الجوزي له قولاً خلافه. انظر: "زاد المسير" ٢/ ٣٣٦، ٣٣٧.
(٤) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ١٦٧
(٥) انظر: الطبري في "تفسيره" ٦/ ١٩٣، والبغوي في "تفسيره" ٣/ ٤٣.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي