ﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞ

إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين( ٢٩ )
هذا النص القرآني فيه تعليل لما كان من اليهود من قبله من بسط أيديهم بالأذى للنبي صلى الله عليه وسلم ونقضهم المواثيق وقتلهم للنبيين وادعائهم الكاذب الفضل على الناس، فإن علة ذلك هو الحسد الكمين في نفوسهم والحسد قديم في الخليقة قدم الإنسان فيها، فهذا أحد ولدي آدم يحسد آخاه، حتى في العبادة التي تقتضي تنقية النفوس وتقوى القلوب، وذلك دليل على كمون الحسد في بعض النفوس مما لا علاج له إلا الصبر على الذين تصيبهم هذه الآفة كما صبر الأخ الذي قتله أخوه فإذا كان في النصوص بيان لآفة الحسد، ففيها أيضا بيان لحلية الصبر والصفح والرضا بما يقدره رب العالمين من أذى المؤذين، والإخلاص لله تعالى.
وكل هذا فيه عزاء للنبي صلى الله عليه وسلم يدعوه إلى الصبر، كما قال تعالى : واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون( ١٢٧ ) ( النحل ).
وكما أن في النص تعليلا لما سبقه ففيه تمهيد لما يلحقه فإنه سيجيء بعد ذلك عقوبات رادعة للذين يعيثون في الأرض فسادا ويخرجون ويقتلون الأنفس البريئة ويزعجون الآمنين بالسرقات والاختطاف، ففي هذا النص يبين قسوة المعتدي ليتبين استحقاقه هو وأمثاله من عقاب ردعا وزجرا ونكالا يمنع غيرهم من العبث، ولذلك كانت الآية التي أعقبت هذا النص فيها بيان لسببيته في شرعية العقاب الرادع، فقال تعالى : من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا( ٣٢ ) ( المائدة )
. تبوء هنا معناها : ترجع ويلازمك الإثم ملازمة من يقيم في مكان ويبوء إليه، وهنا نتكلم عن معنى"إثمي وإثمك" روي عن ابن عباس أن المعنى إثمي أي إثم قتلي، فهي تشبه إضافة الفعل إلى المفعول، أي الإثم الذي ترتكبه في شأني بقتلك إياي، وإثمك الأصلي الذي عوق صدقتك عن أن تقبل، فترتكب إثمين، وتضيف إلى ذنبك الأصلي ذنبا آخر فلا تكون قد خلعت نفسك من المعاصي بل أركست نفسك فيها وزدتها.
وهذا الذي نختاره وهو معنى مستقيم وروي عن الحسن أن المعنى أن يحمل يوم القيامة ما عسى أن يكون التقى قد ارتكبه من إثم فوق آثامه الأصلية.
والزمخشري يقول في تفسير هذه الآية : إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك .
أن تحتمل إثم قتلي لك لو قتلتك وإثم قتلك لي ثم يقول( المراد بمثل إثمي ) وروي ذلك عن مجاهد وإني أرى في هذا تكلفا والواضح هو ما روي عن ابن عباس رضي الله عنه.
وهنا قد يسأل سائل أكان من التقوى أن يريد أن يتحمل غيره الأوزار ونقول : إن ذلك بيان للنتيجة لامتناعه عن مقاومة أخيه فهو إذ أراد الامتناع عن بسط يد الأذى لأخيه فكأنه أراد النتيجة المحتومة لذلك، وهي أن يبوء بإثم نفسه وإثمه، فإن إرادة السبب كأنها إرادة للمسبب.
وقد ختم كلامه السمح بتبصير أخيه بالنتيجة النهائية، وهي أن يكون من أصحاب النار الملازمين لها الذين لا يخرجون منها يوم القيامة ثم يبصره بأن ذلك جزاء الظالمين، وأنه في فعلته التي يهم بفعلها يكون ظالما داخلا في زمرة الظالمين.. اللهم جنبنا الظلم وأهله، وإنك نعم المولى ونعم النصير.

زهرة التفاسير

عرض الكتاب
المؤلف

أبو زهرة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير