ﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞ

(إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (٢٩)
* * *
تبوء هنا معناها: ترجع ويلازمك الإثم ملازمة من يقيم في مكان ويبوء إليه، وهنا نتكلم عن معنى " إثمي وإثمك " روي عن ابن عباس أن المعنى إثمي أي إثم قتلي، فهي تشبه إضافة الفعل إلى المفعول، أي الإثم الذي ترتكبه في شأني بقتلك إياي، وإثمك الأصلي الذي عوق صدقتك عن أن تقبل، فترتكب إثمين، وتضيف إلى ذنبك الأصلي ذنبا آخر، فلا تكون قد خلعت نفسك من المعاصي، بل أركست نفسك فيها، وزدتها.
وهذا الذي نختاره وهو معنى مستقيم، وروي عن الحسن أن المعنى أن يحمل يوم القيامة ما عسى أن يكون التقي قد ارتكبه من إثم، فوق آثامه الأصلية.
والزمخشري يقول في تفسير هذه الآية: (إِنِّى أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ).

صفحة رقم 2127

أن تحتمل إثم قتلي لك لو قتلتك وإثم قتلك لي ثم يقول (المراد بمثل إثمي) وروى ذلك عن مجاهد، وإني أرى في هذا تكلفا، والواضح هو ما روي عن ابن عباس رضي الله عنه.
وهنا قد يسأل سائل أكان من التقوى أن يريد أن يتحمل غيره الأوزار؟ ونقول: إن ذلك بيان للنتيجة لامتناعه عن مقاومة أخيه، فهو إذ أراد الامتناع عن بسط يد الأذى لأخيه فكأنه أراد النتيجة المحتومة لذلك، وهي أن يبوء بإثم نفسه وإثمه، فإن إرادة السبب كأنها إرادة للمسبب.
وقد ختم كلامه السمح بتبصير أخيه بالنتيجة النهائية، وهي أن يكون من أصحاب النار الملازمين لها الذين لَا يخرجون منها يوم القيامة، ثم يبصره بأن ذلك جزاء الظالمين، وأنه في فعلته التي يهم بفعلها، يكون ظالما داخلا في زمرة الظالمين.. اللهم جنبنا الظلم وأهله، وإنك نعم المولى ونعم النصير.
* * *
(فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٣٠) فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (٣١)
* * *
الآيات المتلوة استمرار في بيان قصة ابني آدم التي ضربها الله تعالى مثلا للشر كيف يستحكم في النفس وينتصر على نوازع الخير والمحبة فيها، وإن فيها مغالبة بين الخير والشر بين أخوين، وكان الشر معتديا، والخير مسالما وكان الخير في قلب الشرير ينازع الشر، حتى انتصر الشر في قلبه، وقد كان أخوه الخيِّر يرجو

صفحة رقم 2128

أن تثور في قلب أخيه الشرير نوازع الرحمة والمودة والأخوة الواصلة، ولا تقطعها جفوة الحسد العارضة، وقد قال - ﷺ -: " إن الله ضرب لكم ابني آدم مثلا، فخذوا من خيرهما ودعوا الشر " (١).
ولقد تمت جريمة الأخ الآثم، ولكن بعد مجاوبات نفسية انتهت بانتصار الشر، ولذلك قال تعالى:
________
(١) روى ابن جرير عن الْحسن مُرْسَلًا، وعن بكر بن عبد اللَّه مُرْسَلًا قالَ النبِي - ﷺ -: " إِن اللَّهَ ضَرَبَ لكُمْ ابْنَيْ آدَمَ مَثَلًا، فَخُذُوا خَيْرَهُمَا وَدَعُوا شَرهمَا! أورده السيوطي في الجاء ج ٢، ص ٢٥٨ (٥٣٧٩).

صفحة رقم 2129

زهرة التفاسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة

الناشر دار الفكر العربي
عدد الأجزاء 10
التصنيف التفسير
اللغة العربية