نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٢٧:* قوله تعالى : إنما يتقبل الله من المتقين :
٥٠٣- في الجواهر١ : قال أبو عبد الله : عماد الدين وقوامه هو المطعم وطيبه، فمن طيب مطعمه زكى عمله، وإلا خيف عليه عدم القبول لقوله تعالى : إنما يتقبل الله من المتقين .
قال العلماء : القبول الذي يختص بالمتقين هو ترتب الثواب ورفع الدرجات بها وفيض الإحسان، وهو غير الإجزاء، لأن الإجزاء معناه أنه صار غير مكلف بتلك العبادة، وهذا عدم المؤاخذة، ولا يلزم من عدم المؤاخذة حصول الدرجات والمثوبة. ( الذخيرة : ١٣/٣٢٣ )
٥٠٤- قوله تعالى حكاية عن ابني آدم : إنما يتقبل الله من المتقين لما قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر، مع أن قربانه كان على وفق الأمر، ويدل عليه أن أخاه علل عدم القبول بعدم التقوى، ولو أن الفعل مختل في نفسه لقال له :" إنما يتقبل الله العمل الصحيح الصالح "، لأن هذا هو السبب القريب لعدم القبول، فحيث عدل عنه دل ذلك على أن الفعل كان صحيحا مجزئا، وإنما انتفى القبول لأجل انتفاء التقوى، فدل ذلك على أن العمل المجزئ قد لا يقبل وإن برئت الذمة به وصح في نفسه. ( الفروق : ٢/٥١ )
٥٠٥- الظاهر أن وصف التقوى شرط في القبول بعد الإجزاء. والتقوى هاهنا ليس محمولا على المعنى اللغوي، وهو مجرد الاتقاء للمكروه من حيث الجملة، فإن الفسقة في عرف الشرع لا يسمون أتقياء ولا من المتقين، ولو اعتبرنا المعنى اللغوي لقيل لهم ذلك، بل التقوى في عرف الشرع :" المبالغة في اجتناب المحرمات وفعل الواجبات حتى يكون ذلك الغالب على الشخص "، هذا هو الظاهر، وإذا حصل الوصف ينبغي أن يعتقد أيضا أن القبول غير لازم، بل المحل قابل له لحصول الشرط وأن القبول مشروط بالتقوى، ولا يلزم من حصول الشرط حصول المشروط.
ويدل على أن المحل يبقى قابلا للقبول من غير لزومه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا بالقبول مع أنه سيد المتقين، وكذلك إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام٢، والمدعو به لابد وأن يكون بصدد الوقوع وعدمه، وإذ لو تعين وقوعه لكان ذلك طلبا لتحصيل الحاصل، وهو غير جائز، فتعين أن يكون الثواب يمكن حصوله وعدم حصوله. ( نفسه : ٢/٥٤ )
* قوله تعالى : لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين :
٥٠٦- لم يدفعه عن نفسه لما أراد قتله، وعلى ذلك اعتمد عثمان رضي الله عنه على أحد الأقوال٣، ولأنه تعارضت مفسدة أن يقتل أو يمكن من القتل، والتمكين من المفسدة أخف مفسدة من مباشرة المفسدة نفسها، فإذا تعارضتا سقط اعتبار المفسدة الدنيا بدفع المفسدة العليا. ( نفسه : ٤/١٨٤ )
* قوله تعالى : إني أريد أن تبوأ بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار :
٥٠٧- مقصوده : إنما السلامة من القتل لا من أن يقتل ويصدر منه معصية القتل وإن لزم عن ذلك معصية أخيه بمباشرة القتل لا يضره ذلك، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام :" كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل " ٤ فأمره أن يريد أن يقتله غيره ولا يعزم هو على القتل، فإن المقصود بالذات إنما هو السلامة، ووقع غير ذلك تبعا. ( الفروق : ٤/٢٩٥ )
٢ - قولهما عليهما السلام: ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم البقرة: ١٢٦..
٣ - وفي رواية الأعمش عن أبي هريرة أن عثمان رضي الله عنه تأول الآية ٣٤ من سورة المائدة وفيها: ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ن: تفسير ابن كثير: ٢/٧٥..
٤ - أخرجه الإمام أحمد في مسنده: ٥/١١٠.
جهود القرافي في التفسير
أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي القرافي