ﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞ

وقوله : إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ قال ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، وقتادة، والسُّدِّي، في قوله : إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ أي : بإثم قتلي وإثمك الذي عليك قبل ذلك.
قال ابن جرير : وقال آخرون : يعني ذلك أني أريد أن تبوء بخطيئتي، فتتحمل وزرها، وإثمك في قتلك إياي. وهذا قول وجدته عن مجاهد، وأخشى أن يكون غلطًا ؛ لأن الصحيح من الرواية عنه خلافه. يعني : ما رواه سفيان الثوري، عن منصور، عن مجاهد : إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي قال : بقتلك إياي، وَإِثْمِكَ قال : بما كان منك قبل ذلك.
وكذا روى١ عيسى عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثْله، وروى شِبْل عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد : إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ يقول : إني أريد أن يكون عليك خطيئتي ودمي، فتبوء بهما جميعًا.
قلت : وقد يتوهم٢ كثير من الناس هذا القول، ويذكرون في ذلك حديثا لا أصل له : ما ترك القاتل على المقتول من ذنب.
وقد روى الحافظ أبو بكر البزار حديثًا يشبه هذا، ولكن ليس به، فقال : حدثنا عمرو بن علي، حدثنا عامر بن إبراهيم الأصبهاني، حدثنَا يعقوب بن عبد الله، حدثنا عتبة٣ بن سعيد، عن هشام بن عُرْوَة، عن أبيه، عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" قتل الصَّبْر لا يمر بذنب إلا محاه ".
وهذا بهذا لا يصح٤ ولو صح فمعناه أن الله يكفر عن المقتول بألم القتل ذنوبه، فأما أن تحمل على القاتل فلا. ولكن قد يتفق هذا في بعض الأشخاص، وهو الغالب، فإن المقتول يطالب القاتل في العَرَصات فيؤخذ له من حسناته بقدر مظلمته، فإن نفدت٥ ولم يستوف حقه أخذ من سيئات المقتول فطُرِحَت٦ على القاتل، فربما لا يبقى على المقتول خطيئة إلا وضعت على القاتل. وقد صح الحديث بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في المظالم كلها، والقتل من أعظمها وأشدها، والله أعلم.
وأما ابن جرير فقال٧ : والصواب من القول في ذلك أن يقال : إن تأويله : إني أريد أن تنصرف بخطيئتك في قتلك إياي - وذلك هو معنى قوله : إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وأما معنى وَإِثْمِكَ فهو إثمه بغير٨ قتله، وذلك معصيته الله، عز وجل، في أعمال سواه.
وإنما قلنا هو الصواب، لإجماع أهل التأويل عليه، وأن الله، عز وجل، أخبرنا أن كل عامل فجزاء عمله له أو عليه٩ وإذا كان هذا١٠ حكمه في خلقه، فغير جائز أن تكون١١ آثام المقتول مأخوذًا بهذا القاتل، وإنما يؤخذ القاتل بإثمه بالقتل المحرم وسائر آثام معاصيه التي ارتكبها بنفسه دون ما ركبه قتيله.
هذا لفظه ثم أورد سؤالا حاصله : كيف أراد هابيل أن يكون على أخيه قابيل إثم قتله، وإثم نفسه، مع أن قتله له محرم ؟ وأجاب بما حاصله١٢ أن هابيل أخبر عن نفسه بأنه لا يقاتل أخاه إن قاتله، بل يكف يده عنه، طالبًا - إنْ وقع قتل - أن يكون من أخيه لا منه.
قلت : وهذا الكلام متضمن موعظة له لو اتعظ، وزجرًا له لو انزجر ؛ ولهذا قال : إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ أي : تتحمل إثمي وإثمك فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ
وقال ابن عباس : خوفه النار فلم ينته ولم ينزجر.

١ في أ: "رواه"..
٢ في أ: "توهم"..
٣ في أ: "عنبسة".
.

٤ مسند البزار برقم (١٥٤٥) "كشف الأستار" وقال البزار: "لا نعلمه يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا من هذا الوجه، ولا نعلم أسنده إلا يعقوب"..
٥ في د: "فنيت"..
٦ في أ: "فيطرح"..
٧ في ر: "قال"، وفي أ: "فإنه قال"..
٨ في ر، أ: "يعني"..
٩ في أ: "وعليه"..
١٠ في ر: "ذلك"..
١١ في أ: "يكون"..
١٢ في أ: "بما هو حاصله"..

تفسير القرآن العظيم

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي

تحقيق

سامي سلامة

الناشر دار طيبة للنشر والتوزيع
سنة النشر 1420
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 8
التصنيف كتب التفسير
اللغة العربية