ﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭ

قوله تعالى : إلاَّ الّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِم الآية١ :
استثناء لم يأت من قبل القدرة عليهم، فيقتضي إخراجهم من جملة من وجب عليهم الحد، لأن الاستثناء حقيقة ذلك، مثل قوله تعالى : إلاّ آلَ لُوطٍ إنّا لَمُنَجُّوهُم أَجمَعِين إلاّ امْرَأَتَهُ٢ ، فأخرج آل لوط من المهلكين، وأخرج المرأة في الاستثناء من الاستثناء من جملة المنجين، وقال تعالى : فَسَجَدَ المَلاَئِكَةُ كُلُّهُم أَجْمَعونَ إلاّ إبْلِيسَ ٣ فأخرجه من جملة الساجدين،
نعم، قد قال في السرقة : فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وأَصلَحَ فَإنَّ اللهَ يَتوبُ عَلَيْهِ٤ ، ولم يسقط حد السرقة، لأنه لم يقع الاستثناء من جملة من أوجب عليهم الحدود، وإنما أخبر أن الله غفور رحيم لمن تاب منهم، وفي آيتي المحاربين ذكر استثناء يوجب إخراجهم من الجملة.
وقوله : فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ : يصلح أن يكون كلاماً مبتدأ مستقلاً بنفسه، من غير أن يفتقر إلى تضمين غيره، فلم نجعله مضمناً لغيره إلا بدلالة. وقوله : إلاَّ الّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِم : مفتقر في صحة إلى ما قبله، فوجب تعليقه عليه.
ثم إذا استقل الاستثناء باقتضاء إسقاط ما اختص بقطع الطريق، لم يحتج إلى تعليقه بغيره، فلا جرم كان ما يتعلق بالمذهب، أن ما يتعلق بحق الآدمي قصاصاً كان أو غرماً، لا يسقط بالتوبة قبل القدرة عليه.
ولما كان قوله : يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسعَونَ في الأَرْضِ فَسَاداً على ما في الصحراء أو البلد، استوى حكم قطع الطريق في البلد والمصر جميعاً، ومن فرق فإنما يفرق لا بحكم اللفظ، بل بمعنى يتوهمه فارقاً وهو غالط فيه.
ولما ثبت للشافعي أن الحكم ليس متعلقاً بمجرد الفساد في الأرض، ولا بمجرد قطع الطريق، لكن تفاوت العقوبات على حسب تفاوت الجرائم، فالردء المعاون في قطع الطريق، لا يلزمه عقوبة من باشر القتل وأخذ المال، وتقدير الكلام : يقتلوا إن قتلوا، أو يصلبوا إن قتلوا وأخذوا المال، فليس لمن لم يفعل من ذلك شيئاً أن يدخل في جملتهم٥.
قال تعالى في حق الكفار : قُلْ لِلّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَا قَد سَلَف٦ ، وقال في المحاربين : إلاّ الّذينَ تَابُوا من قبلِ أن تقدِروا علَيهِم، فاعلمُوا أن اللهَ غفورٌ رحِيم٧ .
والذي ذكر من أن الآية نزلت في شأن العرنيين لا يحصلون٨ ما يقولون، لأن العرنيين شملت أعينهم مع قطع أيديهم وأرجلهم، وتركوا في الحرة حتى ماتوا، ويستحيل نزول الآية بالأمر بقطع من قطع، وقتل من قتل. وقال ابن سيرين : كان أمر العرنيين قبل أن تنزل الحدود، فأخبر أنه كان قبل نزول الآية.
والذين اعترفوا باختصاص الآية بقطاع الطريق من المسلمين، اختلفوا في أشياء أخر وراء ما ذكرناه. فقال قائلون من العلماء بما رووه عن ابن عباس : يقتلوا إن قتلوا، أو يصلبوا إن قتلوا وأخذوا المال، أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إن أخذوا المال فقط، أو ينفوا من الأرض إن أخافوا السبيل، ولم يفعلوا أكثر من ذلك، فلم يثبتوا تخييرا، وهو مذهب الشافعي.
واختلفت الروايات عن أبي حنيفة : ففي رواية أنه إذا حارب فقتل وأخذ المال، قطعت يده ورجله من خلاف وقتل وصلب. فإن هو قتل ولم يأخذ المال نفي، وهذا يقارب الأول، إلا في زيادة قطع اليد والرجل مضموماً إلى الصلب والقتل. وروى أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم في الرجل يقطع الطريق ويأخذ المال، قيل إن الإمام فيه بالخيار، إن شاء قطع يده ورجله من خلاف وصلبه، وإن شاء صلبه ولم يقطع يده ولا رجله،
وإن شاء قتله ولم يقطع رجله ولم يصلبه، فإن أخذ مالاً ولم يقتل، قطعت يده ورجله من خلاف، وإن لم يأخذ مالاً ولم يقتل، عزر ونفي من الأرض، ونفيه حبسه. وفي رواية أخرى : أوجع عقوبة وحبس حتى يحدث خيراً، وهو قول الحسن في رواية وسعيد بن جبير. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد : إن اقتصروا على القتل قتلوا، وإن اقتصروا على أخذ المال، قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف. وإن أخذوا المال وقتلوا، فأبو حنيفة يقول : الإمام يتخير في أربع جهات : إن شاء قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وقتلهم، وإن شاء قطع وصلب، وإن شاء صلب، وإن شاء قتل وترك القطع، وقال آخرون : بل يخير الإمام في هذه الأحكام بمجرد خروجهم، وهو قول ابن المسيب ومجاهد والحسن، وهو قول مالك.
فسوى مالك بين أن يقتلوا أو لا يقتلوا، أو يأخذوا المال أو لا يأخذوا، وخير الإمام إن شاء قتل، وإن شاء قطع خلافاً، وإن شاء نفي، ونفيه حبسه، فهذا ما ذكره، ووافق في أنهم لو أخذوا المال ولم يقتلوا، لم يجز للإمام أن ينفيه، ويترك قطع يده ورجله. وكذلك لو قتلوا وأخذوا المال، لم يجز للإمام أن يعفيه من القتل والصلب.
ولو كان الأمر على ما قالوه في التخيير، لكان التخيير ثابتاً إذا أخذوا المال وقتلوا، أو أخذوا المال ولم يقتلوا، فكأنه يرى التخيير في إجراء حكم القاتل على غير القاتل، وإجراء حكم القطع على غير آخذ المال،
أما إسقاط حكم القطع عن آخذ المال أو القتل عن القاتل، فلا سبيل إليه أصلا. فالتخيير الثابت شرعاً، وهو أن يتخير بين أنواع، كالتخيير في حق المشركين، يتخير بين أنواع، فمنها الأخف، ومنها الأغلظ، فأما أن يقال : إن عقوبة المجرم لا تسقط عنه، ولكن غيره يلحق به، فهذا ليس من التخيير في شيء.
نعم، اعتقد مالك أن مجرم قطع الطريق كالقتل، قال : ولذلك قال الله تعالى : مَنْ قَتَلَ نَفساً بِغَيْرِ نَفْسِ أَوْ فَسَادٍ في الأَرْضِ فَكَأَنّمَا قَتَلَ النَاسَ جَمِيعاً٩ ، فدل أن الفساد في الأرض بمثابة قتل النفس.
والذي ذكره واعتقده فاسد، فإن ما ذكره لا يوجب إجراء حكم الساعي بالفساد، على ما ذكر مجرى الساعي بالفساد، إذا ضم إلى سعيه في الأرض بالفساد القتل وأخذ المال، وقد وجد من القاتل وآخذ المال ما لم يوجد من الذي لم يقتل. . من قطع الطريق والفساد في الأرض والزيادة فلم سوى بينهما ؟
ولو استوى حكمهما، لم يجز إسقاط القتل عنه، كما لم يجز إسقاطه عمن قتل، وإسقاط القطع عمن أخذ المال، وهذا لا جواب عنه.
فإن قيل : القاتل لا يختص، قلنا غلطتم، فإن لقطع الطريق أثراً في تغليظ جريمته، حتى لا تسقط بعفو المستحق، ويزداد بقطع الطريق قطع اليد والرجل معه، فلم يسقط. نعم إذا تابوا من قبل أن نقدر عليهم، سقط ما يتعلق بقطع الطريق، وبقي ما تعلق بحق الآدمي، ولأن المراد بقوله : أَوْ فَسَادٍ في الأرْضِ ، أي فساد يجوز القتل معه، أو قتله في حالة إظهار الفساد على وجه الدفع، وإنما الكلام في الذي صار في يد الإمام، فقوله : أَوْ فَسَادٍ في الأرْضِ ، محمول على هذا، وإلا فلو كان الفساد في الأرض عديل القتل، ما جاز إسقاط القتل بالنفي، كما لا يجوز إذا قتل أن يقتصر في حقه على النفي.
إلاَّ الّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ : ومعلوم أن الكفار لا يختلف حظهم في زوال العقوبة عنهم بالتوبة بعد القدرة، كما تسقط قبل القدرة، فالمرتد يستحق القتل بنفس الردة دون المحاربة، والمذكور في الآية من لم يستحق القتل.
وفي الآية نفي من لم يتب قبل القدرة، والمرتد لا ينفى، فعلمنا أن الآية حكمها جار في أهل الملة. والمرتد لا تقطع يده ورجله ويخلى سبيله بل يقتل، ولا يصلب أيضاً، فدل ذلك على أن ما اشتملت عليه الآية ما عنى به المرتد.

١ - سورة المائدة، آية ٣٤ – انظر الجامع لأحكام القرآن..
٢ - سورة الحجر، آية ٥٩-٦٠..
٣ - سورة الحجر، آية ٣٠-٣١..
٤ - سورة المائدة، آية ٣٩..
٥ - انظر روائع البيان، ج ١..
٦ - سورة الأنفال، آية ٣٨..
٧ - سورة المائدة، آية ٣٤..
٨ - كذا في الأصل ولعلها لايحصل..
٩ - سورة المائدة، آية ٣٢..

أحكام القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

إلكيا الهراسي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير