فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ خسر دينه ودنياه قال ابن عباس رضى الله عنهما حسر دنياه وآخرته اما الدنيا فانه أسخط لوالديه وبقي مذموما الى يوم القيامة واما الآخرة فهو العقاب العظيم فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً أرسله يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ البحث بالفارسية «بكندن» لِيُرِيَهُ المستكن الى الله تعالى او للغراب واللام على الاول متعلقة ببعث حتما وعلى الثاني بيبحث ويجوز تعلقها ببعث ايضا كَيْفَ يُوارِي يستر سَوْأَةَ أَخِيهِ اى جسده الميت فانه مما يستقبح انه يرى وقيل عورته لانه كان قد سلب ثيابه. وكيف حال من ضمير يوارى والجملة ثانى مفعولى يرى- روى- انه لما قتله تركه بالعراء اى الأرض الخالية عن الأشجار ولم يدر ما يصنع به لانه كان أول ميت على وجه الأرض من بنى آدم فخاف عليه السباع فحمله فى جراب على ظهره أربعين يوما او سنة حتى أروح وعفت عليه الطيور والسباع تنظر متى يرمى به فتأكله فبعث الله غرابين فاقتتلا فقتل أحدهما الآخر فحفر له بمنقاره ورجليه حفرة فالقاه فيها وواراه وقابيل ينظر اليه وكأنه قيل فماذا قال عند مشاهدة حال الغراب فقيل قالَ يا وَيْلَتى هى كلمة جزع وتحسر والالف بدل من ياء المتكلم والمعنى يا ويلتى احضرى فهذا أوانك والنداء وان كان أصله لمن يتأتى منه الإقبال وهم العقلاء الا ان العرب تتجوز وتنادى ما لا يعقل إظهارا للتحسر ومثله يا حسرة على العباد والويل والويلة الهلكة أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ اى عن ان أكون مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي تعجب من عدم اهتدائه الى ما اهتدى اليه الغراب وقوله فاوارى بالنصب عطف على أكون اى أعجزت عن كونى مشبها بالغراب فمواريا فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ اى على قتله لما كان من التحير فى امره وحمله على رقبته مدة طويلة وغير ذلك فلما كان ندمه لاجل هذه الأسباب لا للخوف من الله بسبب ارتكاب المعصية لم يكن ندمه توبة ولم ينتفع بندمه- روى- انه لما قتل ابن آدم أخاه رجفت الأرض بما عليها سبعة ايام ثم شربت الأرض دمه كشرب الماء فناداه الله اين أخوك هابيل قال ما أدرى ما كنت عليه رقيبا فقال الله تعالى ان دم أخيك لينادينى من الأرض فلم قتلت أخاك قال فاين دمه ان كنت قتلته فحرم الله تعالى على الأرض يومئذ ان تشرب دما بعده ابدا قال مقاتل كان قبل ذلك يستأنس السباع والطيور والوحوش فلما قتل قابيل هابيل نفروا فلحقت الطيور بالهواء والوحوش بالبرية والسباع بالغياض واشتاك الشجر وتغيرت الاطعمة وحمضت الفواكه وامر الماء واغبرت الأرض فقال آدم قد حدث فى الأرض حدث فاتى الهند فاذا قابيل قد قتل هابيل وكان جسد قابيل ابيض قبل ذلك فاسود فسأله آدم عن أخيه فقال ما كنت عليه وكيلا قال بل قتلته ولذلك اسود جسدك ومكث آدم حزينا على قتل ولده مائة سنة لا يضحك وانشأ يقول وهو أول من قال الشعر
| تغيرت البلاد ومن عليها | فوجه الأرض مغبر قبيح |
| تغير كل ذى لون وطعم | وقل بشاشة الوجه الصبيح |
مرثية قال لشيث يا بنى انك وصيي احفظ هذا الكلام ليتوارث فيرق الناس عليه فلم يزل ينقل حتى وصل الى يعرب بن قحطان وكان يتكلم بالعربية والسريانية وهو أول من خط بالعربية وكان يقول الشعر فنظر فى المرثية فرد المقدم الى المؤخر والمؤخر الى المقدم فوزنه شعرا وزيد فيه أبيات منها
| ومالى لا أجود بسكب دمع | وهابيل تضمنه الضريح |
| ارى طول الحياة على نقما | فهل انا من حياتى مستريح |
| درين چمن گل بيخار كس نچيد آرى | چراغ مصطفوى با شرار بو لهبيست |
| مكن ز غصه شكايت كه در طريق طلب | براحتى نرسيد آنكه زحمتى نكشيد |
| أتاني هواها قبل ان اعرف الهوى | فصادف قلبى فارغا فتمكنا |
قابيل النفس وقال هى أختي يعنى إقليما الهوى ولدت معى فى بطن وهى احسن من اخت هابيل القلب يعنى ليوذا العقل وانا أحق بها ونحن من ولائد جنة الدنيا وهما من ولائد ارض العقبى فانا أحق بأختي فقال له أبوه انها لا تحل لك يعنى إذ كان الهوى قرينك فتهلك فى اودية حب الدنيا وطلب لذاتها وشهواتها فابى ان يقبل قابيل النفس هذا الحكم من آدم الروح وقال الله تعالى لم يأمر به وانما هذا من رأيه فقال لهما آدم الروح قربا قربانا فايكما يقبل قربانه فهوا حق بها فخرجا ليقربا وكان قابيل النفس صاحب زرع يعنى مدبر النفس النامية وهى القوة النباتية فقرب طعاما من أردى زرعه وهو القوة الطبيعية وكان هابيل القلب راعيا يعنى مواشى الأخلاق الانسانية والصفات الحيوانية فقرب جملا يعنى الصفة البهيمية وهى أحب الصفات اليه لاحتياجه إليها لضرورة التغذي والبقاء ولسلامتها بالنسبة الى الصفات السبعية الشيطانية فوضعها قربانهما على جبل البشرية ثم دعا آدم الروح فنزلت نار المحبة من سماء الجبروت فاكلت جمل الصفة البهيمية لانها حطب هذه النار ولم تأكل من قربان قابيل النفس حبة لانها ليست من حطبها بل هى من حطب نار الحيوانية فهذا تحقيق قوله تعالى وَاتْلُ عَلَيْهِمْ الآية. والاشارة فى قوله فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ اى نفس قابيل النفس طوعت له وجوزت قَتْلَ أَخِيهِ وهو القلب لان النفس أعدى عدو القلب فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ يعنى فى قتل القلب خسارة النفس فى الدنيا والآخرة اما فى الدنيا فتحرم عن الواردات والكشوف والعلوم الغيبية التي صفحة رقم 383
ولو عفا الأولياء لا يلتفت الى ذلك لانه حق الشرع ولا فرق بين ان يكون القتل بآلة جارحة اولا أَوْ يُصَلَّبُوا اى يصلبوا مع القتل ان جمعوا بين القتل والاخذ بان يصلبوا احياء وتبعج بطونهم برمح الى ان يموتوا ولا يصلبوا بعد ما قتلوا لان الصلب حيا ابلغ فى الردع والزجر لغيره عن الاقدام على مثل هذه المعصية أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ اى أيديهم اليمنى من الرسغ وأرجلهم اليسرى من الكعب ان اقتصروا على أخذ مال من مسلم او ذمى وكان فى المقدار بحيث لو قسم عليهم أصاب كلا منهم عشرة دراهم او ما يساويها قيمة اما قطع أيديهم فلأخذ المال واما قطع أرجلهم فلاخافة الطريق بتفويت امنه أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ان لم يفعلوا غير الاخافة والسعى للفساد والمراد بالنفي عندنا هو الحبس فانه نفى عن وجه الأرض بدفع شرهم عن أهلها ويعزرون ايضا لمباشرتهم منكر الاخافة وازالة الا من ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ كائن فِي الدُّنْيا اى ذل وفضيحة. قوله ذلك مبتدأ ولهم خبر مقدم على المبتدأ وهو الخزي والجملة خبر لذلك وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ غير هذا عَذابٌ عَظِيمٌ لا يقادر قدره لغاية عظم جنايتهم. فقوله تعالى لهم خبر مقدم وعذاب مبتدأ مؤخر وفى الآخرة متعلق بمحذوف وقع حالا من عذاب لانه فى الأصل صفة له فلما قدم انتصب حالا اى كائنا فى الآخرة إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ استثناء مخصوص بما هو من حقوق الله عز وجل كما ينبئ عنه قوله تعالى فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ اما ما هو من حقوق الآدميين فانه لا يسقط بهذه التوبة فان قطاع الطريق ان قتلوا إنسانا ثم تابوا قبل القدرة عليهم يسقط بهذه التوبة وجوب قتلهم حدا وكان ولى الدم على حقه فى القصاص والعفو وان أخذوا مالا ثم تابوا قبل القدرة عليهم يسقط بهذه التوبة وجوب قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وكان حق صاحب المال باقيا فى ماله وجب عليهم رده واما إذا تاب بعد القدرة عليه فظاهر الآية ان التوبة لا تنفعه ويقام الحد عليه فى الدنيا كما يضمن حقوق العباد وان سقط عنه العذاب العظيم فى العقبى. والآية فى قطاع المسلمين لان توبة المشرك تدرأ عنه العقوبة قبل القدرة وبعدها يعنى ان المشرك المحارب لو آمن بعد القدرة عليه فلا سبيل عليه بشىء من الحدود ولا يطالب بشىء مما أصاب فى حال الكفر من دم او مال كما لو آمن قبل القدرة عليه. واما المسلمون المحاربون فمن تاب منهم قبل القدرة عليه اى قبل ان يظفر به الامام سقطت عنه العقوبة التي وجبت حقا لله ولا يسقط ما كان من حقوق العباد فان كان قد قتل فى قطع الطريق سقط عنه بالتوبة قبل القدرة عليه تحتم القتل ويبقى عليه القصاص لولى القتل ان شاء عفا عنه وان شاء استوفاه وان كان قد أخذ المال يسقط عنه القطع وان كان جمع بينهما يسقط عنه تحتم القتل والصلب ويجب ضمان المال. وقال بعضهم إذا جاء تائبا قبل القدرة عليه لا يكون لأحد تبعة فى دم ولا مال الا ان يوجد معه مال بعينه فيرده على صاحبه. روى عن على رضى الله عنه ان الحارث بن بدر جاءه تائبا بعد ما كان يقطع الطريق ويسفك الدماء ويأخذ الأموال فقبل توبته ولم يجعل عليه تبعة أصلا واما من تاب بعد القدرة عليه فلا يسقط عنه شىء من الحقوق. اعلم ان قطع الطريق واخافة المسافرين من أقبح السيئات كما ان دفع الأذى عن الطريق من احسن الصالحات وفى الحديث (عرضت على اعمال أمتي حسنها وسيئها
صفحة رقم 386روح البيان
إسماعيل حقي بن مصطفى الإستانبولي الحنفي الخلوتي , المولى أبو الفداء