اختلف نقلة التفسير المأثور فيمن نزل فيهم هاتان الآيتان، على ما هو ظاهر من اتصالهما بما قبلهما أتم الاتصال. روى أحمد والبخاري ومسلم وأصحاب السنن عن أنس أن ناسا من عكل وعرينة قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم وتكلموا بالإسلام، فاستوخموا١ المدينة فأمر لهم النبي صلى الله عليه وسلم بذود٢وراع، وأمرهم أن يخرجوا فليشربوا من أبوالها وألبانها. فانطلقوا حتى إذا كانوا بناحية الحرة كفروا بعد إسلامهم، وقتلوا راعي النبي صلى الله عليه وسلم واستاقوا الذود. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فبعث الطلب في آثارهم، فأمر بهم فسمروا أعينهم٣ وقطعوا أيديهم، وتركوا في ناحية الحرة حتى ماتوا على حالهم٤. زاد البخاري : أن قتادة الراوي للحديث عن أنس قال : بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك كان يحث على الصدقة وينهى عن المثلة. وفي رواية لأحمد والبخاري وأبي داود قال قتادة فحدثني ابن سيرين أن ذلك كان قبل أن تنزل الحدود ( أي في الآية التي نحن بصدد تفسيرها ) وروى أبو داود والنسائي عن أبي الزناد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قطع الذين سرقوا لقاحه وسمل أعينهم بالنار، عاتبه الله في ذلك فأنزل إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا الآية. وفي القصة روايات أخرى مفصلة. ومنها أنه أباح لهم إبل الصدقة كلها في غدوها ورواحها.
وروى أبو داود والنسائي عن ابن عباس في الآية قال : نزلت في المشركين منهم، من تاب قبل أن يقدر عليه لم يكن عليه سبيل، وليست تحرز هذه الآية الرجل المسلم من الحد إن قتل أو أفسد في الأرض، أو حارب الله ورسوله، ثم لحق بالكفار قبل أن يقدروا عليه، ولم يمنعه ذلك أن يقام فيه الحد الذي أصابه. ( ومثله عند ابن جرير عن الحسن ) وروى ابن جرير والطبراني في الكبير عن ابن عباس أيضا أنه قال : كان قوم من أهل الكتاب بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عهد وميثاق، فنقضوا العهد، وأفسدوا في الأرض، فخير الله نبيه فيهم، إن شاء أن يقتل وإن شاء أن يقطع أيدهم وأرجلهم من خلاف، وفي بعض الروايات زيادة إلا من أسلم قبل أن يؤخذ. وروى ابن جرير أيضا ما تقدم من كون الآية نزلت عتابا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم على سمل أعين العرنيين وقطع أيديهم وتركها بدون حسم فكانت الآية تحريما للمثلة عند هؤلاء. على أنه ثبت أنه كان صلى الله عليه وآله وسلم ينهى عن المثلة قبل نزول المائدة. وروي عن آخرين أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان أمر بسمل أعينهم وقطعهم كما فعلوا بالراعي المسلم – وفي بعض الروايات الرعاة بالجمع – فنزلت الآية فترك ذلك ولم يفعله.
وقد اختلف العلماء في حكم هذه الآية، فقال بعضهم إنه خاص بمثل من نزلت فيهم من الكفار مطلقا ؟ أو الذين غدوا من اليهود، أو الذين خدعوا النبي والمسلمين بإظهار الإسلام حتى إذا تمكنوا من الإفساد بالقتل والسلب عادوا إلى قومهم وأظهروا شركهم معهم. وذهب أكثر الفقهاء إلى أنها خاصة بمن يفعلون هذه الأفعال من المسلمين، وكأنهم اعتدّوا بما أظهره العرنيون من الإسلام. ورووا عدة روايات في تطبيق الآية على الخوارج، بل قالوا إنها نزلت فيهم.
والظاهر المتبادر بصرف النظر عن الروايات المتعارضة أنها عامة لكل من يفعل هذه الأفعال في دار الإسلام إذا قدرنا عليهم وهم متلبسون بها بالفعل أو الاستعداد. وقد قال الذين جعلوها خاصة بالمسلمين : إن أحكام الكفار في الحرب معروفة بالنصوص والعمل، وليس فيها هذه الدرجات في العقاب. وجوابه أن هذا العقاب خاص بمن فعل مثل أفعال العرنيين، فلا يقتضي ذلك أن يتبع في حرب كل من حاربنا من الكفار. وقال بعضهم : إن استثناء من تابوا قبل القدرة عليهم دليل على إرادة المسلمين، لأن الكفار لا يشترط في توبتهم أن تكون قبل القدرة عليهم. ويجاب عن هذا بأن التوبة من هذا الإفساد هي التي يشترط فيها أن تكون قبل القدرة عليهم، لا التوبة من الكفر.
ومجموع الروايات في قصة العرنيين تفيد أنهم جعلوا الإسلام خديعة للسلب والنهب، وأنهم سملوا أعين الرعاة ثم قتلوهم ومثلوا بهم، وفي بعضها أنهم اعتدوا على الأعراض أيضا وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عاقبهم بمثل عقوبتهم عملا بقوله تعالى : وجزاء سيئة سيئة مثلها [ الشورى : ٤٠ ] وقوله : فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله [ البقرة : ١٩٤ ] إن صح أن الآية نزلت بعد عقابهم. ولم يعف عنهم كعادته لئلا يتجرأ على مثل فعلتهم أمثالهم من أعراب المشركين وغيرهم، فأراد بذلك القصاص وسد الذريعة، وأن الله تعالى أنزل الآية بهذا التشديد في العقاب على مثل هذا الإفساد، لهذه الحكمة، وهي سد ذريعة هذه المفسدة، ولكنه حرم مع ذلك كله المثلة، وهي تشويه الأعضاء. ولا مفسدة أشد وأقبح من سلب الأمن على الأنفس والأعراض والأموال الناطقة والصامتة. فرب عصبة من المفسدين تسلب الأمان والاطمئنان من أهل ولاية كبيرة. ورب عصبة مفسدة تعاقب بهذه العقوبات المنصوصة في الآية فتطهر الأرض من أمثالها زمنا طويلا.
والتشديد في سد الذرائع ركن من أركان السياسة لا تزال جميع الدول تحافظ عليه، حتى أن بعضهم يحكم الوهم فيه. ومن الأمر الإدّ، ما اجترحته إنكلترة في مصر بهذا القصد، إذ مر بقرية ( دنشواي ) منذ سنين قليلة أفراد من جند الإنكليز كانوا يصيدون الحمام عند بيدرها فتخاصموا مع أصحاب الحمام وتضاربوا، فعظم على الإنكليز تجرؤ الفلاح المصري، على ضرب الجندي الإنكليزي، فعقدوا المحكمة العرفية لمحاكمة أولئك الفلاحين برياسة بطرس باشا غالي، فحكمت على بعض أولئك الفلاحين بأن يصلبوا ويعذبوا بالضرب بالسياط ( الكرابيج ) ذات العقد حتى تتأثر لحومهم، وأن يبقوا مصلوبين بعد موتهم مدة طويلة، وأن يكون ذلك على أعين أهليهم وأعين الناس، ونفذ الحكم. وقد أنكر هذه القسوة واستفظعها الناس حتى بعض أحرار الإنكليز في بلادهم، وشنعوا عليها في الجرائد وفي مجلس النواب. ومثل هذه الحادثة لا تعد من الخروج على ذي السلطان، ولا من الفساد في الأرض. ولكن قصد الإنكليز بالقسوة فيها أن لا يتجرأ أحد على مقاومة جندي إنكليزي وإن اعتدى فأين هذا من عدل الإسلام الذي ساوى خليفته عمر بن الخطاب بين ابن فاتح مصر وقائد جيشها وحاكمها العام ( عمرو بن العاص ) وبين غلام قبطي، إذ تسابقا فسبق القبطي ابن الحاكم فصفعه هذا وقال : أتسبقني وأنا ابن الأكرمين ؟ فلما رفع الأمر إلى عمر رضي الله عنه لم يرض إلا أن يصفع القبطي ابن الفاتح الحاكم كما صفعه. وقال لعمرو كلمته الذهبية المشهورة : يا عمرو ! منذ كم تعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا ؟ ولكن المسلمين لما تركوا حكم الإسلام صاروا يطلبون من الإنكليز ومن دون الإنكليز أن يعلموهم العدل وقوانينه ! !
إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ استثنى الله تعالى من المحاربين المفسدين في الأرض – الذين حكم عليهم بأشد الجزاء في الدنيا وتوعدهم بالعذاب العظيم في الآخرة – من يتوبون منهم قبل القدرة عليهم، وتمكن أولي الأمر من عقابهم، فإن توبتهم وهم في قوتهم ومنعتهم، جديرة بأن تكون توبة نصوحا منشؤها العلم بقبح عملهم والعزم على عدم العودة إليه، لا الخوف من عقاب الدنيا. وهب أنه الخوف من عقاب الدنيا : أليسوا قد تركوا الإفساد ومحاربة شرع الله ورسوله، وصاروا كسائر الناس ؟ بلى ! وإذاً لا يجمع لهم بين أشد عقاب الشرع في الدنيا والعذاب العظيم في الآخرة.
لذلك بين الله تعالى أنهم يصيرون بهذه التوبة أهلا لمغفرته ورحمته فقال : فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ أي فاعلموا أنه تعالى يغفر لهم ما سلف، ويرحمهم برفع العقاب عنهم. وهل الذي يرتفع عنهم عقاب الآخرة فقط كما قالوا في توبة السارق ؟ ( وسيأتي حده وحكمه بعد ثلاث آيات ) أم يرتفع عنهم حق الله كله من عقاب الدنيا والآخرة ولا يبقى عليهم إلا حقوق العباد ؟ وإذاً يكون لمن سلب التائب أموالهم أيام إفساده أن يطالبوه بها، ولمن قتل منهم أحد أن يطالبوه بدمه، ولهم الخيار كغيرهم بين القصاص والدية والعفو، أم تسقط عنهم حقوق الله كلها وحقوق العباد كلها أيضا ؟ احتمالات آخرها أضعفها، وأوسطها أقواها، وقد ثبت عن الصحابة إسقاط الحد عمن تاب ولكن لم يرد أن أحدا تقاضى التائب حقا ولم يسمع له الإمام. إذا جاز إسقاط الحد مطلقا عن التائب فلا يجوز إسقاط المال عنه مطلقا. بل يتجه أن يقال : إن توبته لا تصح إلا إذا أعاد الأموال المسلوبة إلى أربابها. فإذا رأى أولو الأمر إسقاط حق مالي عن المفسدين للمصلحة العامة وجب أن يضمنوه من بيت المال.
وقد اختلف علماء السلف في هؤلاء التائبين. فقيل إنهم المحاربون المفسدون من الكفار، إذا تابوا عن الكفر والحرب والفساد ودخلوا في الإسلام قبل القدرة عليهم. فهم الذين يسقط عنهم كل حق كان قبل الإسلام، لأنه يجب ما قبله مطلقا. رواه ابن جرير وابن عباس وعكرمة والحسن والبصري ومجاهد وقتادة.
وقيل إنها في المحاربين من المسلمين. وروى ابن جرير أن حارثة بن بدر كان محاربا في عهد أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه فطلب من الحسن بن علي ثم من ابن جعفر ( عليهم الرضوان ) أن يستأمن له عليا فأبيا عليه. فأتى سعيد بن قيس فقبله قال الراوي : فلما صلى علي الغداة أتاه ابن قيس فقال : يا أمير المؤمنين ما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ؟ فقرأ علي الآيتين، فقال سعيد : وإن كان حارثة بن بدر ؟ قال : وإن كان حارثة بن بدر. قال فهذا حارثة بن بدر جاء تائبا فهو آمن ؟ قال نعم. قال فجاء به فبايعه وقبل ذلك منه وكتب له أمانا. ولكن ليس في الرواية ما يدل على إسقاط حقوق الناس. وقد اشترط بعضهم في التائب أن يستأمن الإمام فيؤمنه، كما فعل حارثة. وقال بعضهم لا يشترط ذلك بل يجب على الإمام أن يقبل كل تائب. ورووا في ذلك واقعة محارب جاء أبا موسى تائبا، وكان عامل عثمان على الكوفة فقبل منه – ووقعة علي الأسدي الذي حارب وأخاف السبيل وأصاب الدم ثم سمع رجلا يقرأ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله [ الزمر : ٥٣ ]. فاستعادها فأعادها القارئ، فغمد سيفه وجاء المدينة تائبا بعد أن عجزت الحكومة والناس عنه، فأخذ بيده أبو هريرة وجاء به والي المدينة مروان بن الحكم وقال له : لا سبيل لكم عليه ولا قتل. فترك من ذلك كله.
قد علم من التفصيل السابق أن هاتين الآيتين خاصتان بعقاب المحاربين المفسدين في الأرض، أي الذين يعملون في بلاد الإسلام أعمالا مخلة بالأمن على الأنفس والأموال والأعراض، معتصمين في ذلك بقوتهم، غير مذعنين للشريعة باختيارهم. فيجب على الأئمة ( الحكام ) أن يطاردوكم ويتتبعوهم، فإذا قدروا عليهم عاقبوهم بتلك العقوبات، بعد تقدير كل مفسدة بقدرها، ومراعاة المصلحة العامة وسد ذريعة الفساد. ومن تاب قبل القدرة عليه لا يعاقب بما في هذه الآية وإنما حكمه حكم سائر الناس.
وقد قلنا إن بعض العلماء قال : إن الآية نزلت في الخوارج. وأوردوا في هذا المقام ما ورد من الأحاديث المنبئة بصفات الذين خرجوا على أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه في عهد خلافته، ولا يصح ذلك القول بحال من الأحوال، وقد قاتل أمير المؤمنين الخوارج برأي من معه من علماء الصحابة، ولم يعاملهم بعقوبات آية المحاربين المفسدين، إذ لم يكن غرضهم الإفساد في الأرض، ولا تخريب العمران وإزالة الأمن. وإنما هم قوم خرجوا على الإمام العادل بعد البيعة متأولين، زاعمين أنه زل عن صراط الحق، وتجاوز تحكيم الشرع إلى الرأي.
وقد اختلف علماء المسلمين في مسألة الخروج على أئمة الجور وحكم من يخرج، لاختلاف ظواهر النصوص التي وردت في الطاعة والجماعة والصبر وتغيير المنكر ومقاومة الظلم والبغي. ولم أر قولا لأحد جمع به بين كل ما ورد من الآيات والأحاديث في هذا الباب ووضع كلا منها في الموضع الذي يقتضيه سبب وروده مراعيا اختلاف الحالات في ذلك، مبينا مفهومات الألفاظ بحسب ما كانت تستعمل به في زمان التنزيل دون ما بعده. مثال هذا : لفظ ( الجماعة ) إنما كان يريد به جماعة المسلمين التي تقيم أمر الإسلام بإقامة كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن صارت كل دولة أو إمارة من دول المسلمين تحمل كلمة الجماعة على نفسها، وإن هدمت السنة، وأقامت البدعة، وعطلت الحدود، وأباحت الفجور. ومثال اختلاف الأحوال : تعدد الدول، فأيها تجب طاعته والوفاء ببيعته ؟ وإذا قتل أحدها الأخر فأيها يعد الباغي الذي يجب على سائر المسلمين قتله حتى يفيء إلى أمر الله ؟ كل قوم يطبقون النصوص على أهوائهم مهما كانت ظاهرة.
ومن المسائل المجمع عليها قولا واعتقادا : أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق :( وإنما الطاعة في المعروف ). وأن الخروج على الحاكم المسلم إذا ارتد عن الإسلام واجب. وأن إباحة المجمع على تحريمه كالزنا والسكر واستباحة إبطال الحدود وشرع ما لم يأذن به الله كفر وردة. وأنه إذا وجد في الدنيا حكومة عادلة تقيم الشرع، وحكومة جائرة تعطله وجب على كل مسلم نصر الأول ما استطاع. وأنه إذا بغت طائفة من المسلمين على أخرى وجردت عليها السيف وتعذر الصلح بينهما فالواجب على المسلمين قتال الباغية المعتدية حتى تفيء إلى أمر الله. وما ورد في الصبر على أئمة الجور إلا إذا كفروا معارض بنصوص أخرى، والمراد به اتقاء الفتنة، وتفريق الكلمة المجتمعة، وأقواها حديث ( وأن لا تنزع الأمر أهله إلا أن تروا كفرا بواحا )١. قال النووي المراد بالكفر هنا المعصية – ومثله كثير – وظاهر الحديث أن منازعة الإمام الحق في إمامته لنزعها منه لا يجب إلا إذا كفر كفرا ظاهرا وكذا عماله وولاته. وأما الظلم والمعاصي فيجب إرجاعه عنها مع بقاء إمامته وطاعته في المعروف دون المنكر، وإلا خلع ونصب غيره. ومن هذا الباب خروج الإمام الحسين سبط الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على إمام الجور البغي، الذي ولي أمر المسلمين بالقوة والمكر، يزيد بن معاوية خذله الله وخذل من انتصر له من الكرامية والنواصب. الذين لا يزالون يستحبون عبادة الملوك الظالمين، على مجاهدتهم لإقامة العدل والدين. وقد صار رأي الأمم الغالب في هذا العصر وجوب الخروج على الملوك المستبدين المفسدين. وقد خرجت الأمة العثمانية على سلطانها عبد الحميد خان فسلبت السلطة منه وخلعته بفتوى من شيخ الإسلام. وتحرير هذه المسائل لا يمكن إلا بمصنف خاص. والسلام على من اتبع الهدى ورجح الحق على الهوى.
خلاصة الآيتين وقتال البغاة وطاعة الأئمة
قد علم من التفصيل السابق أن هاتين الآيتين خاصتان بعقاب المحاربين المفسدين في الأرض، أي الذين يعملون في بلاد الإسلام أعمالا مخلة بالأمن على الأنفس والأموال والأعراض، معتصمين في ذلك بقوتهم، غير مذعنين للشريعة باختيارهم. فيجب على الأئمة ( الحكام ) أن يطاردوكم ويتتبعوهم، فإذا قدروا عليهم عاقبوهم بتلك العقوبات، بعد تقدير كل مفسدة بقدرها، ومراعاة المصلحة العامة وسد ذريعة الفساد. ومن تاب قبل القدرة عليه لا يعاقب بما في هذه الآية وإنما حكمه حكم سائر الناس.
وقد قلنا إن بعض العلماء قال : إن الآية نزلت في الخوارج. وأوردوا في هذا المقام ما ورد من الأحاديث المنبئة بصفات الذين خرجوا على أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه في عهد خلافته، ولا يصح ذلك القول بحال من الأحوال، وقد قاتل أمير المؤمنين الخوارج برأي من معه من علماء الصحابة، ولم يعاملهم بعقوبات آية المحاربين المفسدين، إذ لم يكن غرضهم الإفساد في الأرض، ولا تخريب العمران وإزالة الأمن. وإنما هم قوم خرجوا على الإمام العادل بعد البيعة متأولين، زاعمين أنه زل عن صراط الحق، وتجاوز تحكيم الشرع إلى الرأي.
وقد اختلف علماء المسلمين في مسألة الخروج على أئمة الجور وحكم من يخرج، لاختلاف ظواهر النصوص التي وردت في الطاعة والجماعة والصبر وتغيير المنكر ومقاومة الظلم والبغي. ولم أر قولا لأحد جمع به بين كل ما ورد من الآيات والأحاديث في هذا الباب ووضع كلا منها في الموضع الذي يقتضيه سبب وروده مراعيا اختلاف الحالات في ذلك، مبينا مفهومات الألفاظ بحسب ما كانت تستعمل به في زمان التنزيل دون ما بعده. مثال هذا : لفظ ( الجماعة ) إنما كان يريد به جماعة المسلمين التي تقيم أمر الإسلام بإقامة كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن صارت كل دولة أو إمارة من دول المسلمين تحمل كلمة الجماعة على نفسها، وإن هدمت السنة، وأقامت البدعة، وعطلت الحدود، وأباحت الفجور. ومثال اختلاف الأحوال : تعدد الدول، فأيها تجب طاعته والوفاء ببيعته ؟ وإذا قتل أحدها الأخر فأيها يعد الباغي الذي يجب على سائر المسلمين قتله حتى يفيء إلى أمر الله ؟ كل قوم يطبقون النصوص على أهوائهم مهما كانت ظاهرة.
ومن المسائل المجمع عليها قولا واعتقادا : أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق :( وإنما الطاعة في المعروف ). وأن الخروج على الحاكم المسلم إذا ارتد عن الإسلام واجب. وأن إباحة المجمع على تحريمه كالزنا والسكر واستباحة إبطال الحدود وشرع ما لم يأذن به الله كفر وردة. وأنه إذا وجد في الدنيا حكومة عادلة تقيم الشرع، وحكومة جائرة تعطله وجب على كل مسلم نصر الأول ما استطاع. وأنه إذا بغت طائفة من المسلمين على أخرى وجردت عليها السيف وتعذر الصلح بينهما فالواجب على المسلمين قتال الباغية المعتدية حتى تفيء إلى أمر الله. وما ورد في الصبر على أئمة الجور إلا إذا كفروا معارض بنصوص أخرى، والمراد به اتقاء الفتنة، وتفريق الكلمة المجتمعة، وأقواها حديث ( وأن لا تنزع الأمر أهله إلا أن تروا كفرا بواحا )١. قال النووي المراد بالكفر هنا المعصية – ومثله كثير – وظاهر الحديث أن منازعة الإمام الحق في إمامته لنزعها منه لا يجب إلا إذا كفر كفرا ظاهرا وكذا عماله وولاته. وأما الظلم والمعاصي فيجب إرجاعه عنها مع بقاء إمامته وطاعته في المعروف دون المنكر، وإلا خلع ونصب غيره. ومن هذا الباب خروج الإمام الحسين سبط الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على إمام الجور البغي، الذي ولي أمر المسلمين بالقوة والمكر، يزيد بن معاوية خذله الله وخذل من انتصر له من الكرامية والنواصب. الذين لا يزالون يستحبون عبادة الملوك الظالمين، على مجاهدتهم لإقامة العدل والدين. وقد صار رأي الأمم الغالب في هذا العصر وجوب الخروج على الملوك المستبدين المفسدين. وقد خرجت الأمة العثمانية على سلطانها عبد الحميد خان فسلبت السلطة منه وخلعته بفتوى من شيخ الإسلام. وتحرير هذه المسائل لا يمكن إلا بمصنف خاص. والسلام على من اتبع الهدى ورجح الحق على الهوى.
تفسير المنار
رشيد رضا