( ٢ ) من قبل أن تقدروا عليهم : من قبل أن يقعوا في أيديكم وتقبضوا عليهم وتظفروا بهم.
إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ ( ١ ) أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ( ٣٣ ) إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ ( ٢ ) فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ( ٣٤ ) ( ٣٣ – ٣٤ ).
تعليق على الآية :
إِنَّمَا جَزَاءوا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا................ الخ
والآية التي بعدها ومدى ما فيهما من تلقين وأحكام
احتوت الآيتان تقريرا إنذاريا وتشريعيا في حق الذين يحاربون الله ورسوله، ويسعون في الأرض فسادا ؛ حيث قررت عقوبة من يقدم على ذلك الجرم الفظيع القتل أو الصلب أو قطع الأيدي والأرجل من خلاف أو النفي من الأرض، بالإضافة إلى العذاب العظيم الذي سينالهم في الآخرة. مع استثناء الذين يتوبون قبل القدرة عليهم والتمكن منهم ؛ حيث يمكن أن ينالهم الله بغفرانه ورحمته.
ولقد روى المفسرون١روايات عديدة كسبب لنزول الآيتين. منها أنها نزلت في قوم من أهل الكتاب كان بينهم وبين النبي صلى الله عليه وآله وسلم عهد وميثاق، فنقضوا العهد وأفسدوا في الأرض، فخير الله رسوله معاقبتهم بالعقوبات المذكورة في الآية الأولى. ومنها أنها نزلت في المشركين عامة. ومنها أنها نزلت في رهط من عكل وعرينة أسلموا وأقاموا في المدينة، ثم جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا له : إنهم استوخموا الهواء فأعطاهم ذودا من إبل مع رعاته وأذن لهم بالنزول خارج المدينة وشرب ألبان الإبل، فلما خرجوا قتلوا الرعاة. وفي رواية سملوا عيونهم ثم قتلوهم، واستاقوا الإبل وارتدوا إلى الكفر، فأرسل النبي صلى الله عليه وآله وسلم خيلا وراءهم، فأسروهم وأتوا بهم إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل عيونهم وتركهم في الحرة حتى هلكوا. وفي رواية أنه أحرقهم بالنار. وهذه الرواية من مرويات البخاري بخلاف يسير٢. ومنها أنها نزلت في قوم هلال بن عويمر الذي وادع النبي صلى الله عليه وآله وسلم باسم قومه أن لا يعتدوا على أحد من المسلمين، أو على أحد يريد الإسلام. فمر بهم قوم من بني كنانة يريدون الإسلام فشدوا عليهم وقتلوهم وأخذوا أموالهم. وهناك رواية يرويها الطبري والبغوي – ويعزوها الأخير إلى الليث بن سعد – أن الآية نزلت عتابا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد تنكيله برهط عكل وعرينة على تسليمه أعينهم ولتحديد عقوبة أمثالهم دون تسميل، وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يسمل بعد ذلك أحدا من أعداء الله بناء على هذه الآية، وأنه ما قام خطيبا إلا نهى عن المثلة.
والذي نستلهمه من روح الآيتين ونظمهما وترتيبهما أنهما جاءتا معقبتين على الآيات السابقة. وبخاصة الآية الأخيرة التي ذكرت أن كثيرا من بني إسرائيل ظلوا على إسرافهم في الفساد والاعوجاج برغم ما كتب الله عليهم من أحكام وأرسله إليهم من رسل فجاءت الآيتان تحتويان إنذارا وتنديدا جديدين لهم وتشريعا لما يجب أن يكون جزاء من يقف مثل موقفهم.
ومحاربة الله ورسوله تعني كما هو المتبادر الكفر برسالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومحاربتها بالكيد والأذى والتعطيل والتضامن مع الأعداء. وهذا مما كان يفعله اليهود كما حكاه القرآن عنهم في مواضع عديدة في سورة البقرة وآل عمران والنساء.
وما قلناه من ترجيح كون الآيتين جاءتا معقبتين على الآيات السابقة لا يمنع أن تكونا قد نزلتا في ظرف من ظروف نكث اليهود ومظاهرتهم للمشركين، وهو ما ذكرته الرواية الأولى من الروايات الواردة في سبب نزول الآيتين. وإذا صح هذا فيكون في الآيتين كما قلنا قبل قرينة على أنهما نزلتا في وقت كان فيه كتلة قوية من اليهود.
أما حادث رهط بدو عكل وعرينة والتنكيل النبوي بهم الوارد في حديث البخاري والروايات الأخرى، فمن المحتمل أن يكون وقع في ظروف نزول الآيتين فالتبس الأمر على الرواة ونقلوا أنهما نزلتا في صدده. ومن القرائن على ذلك أنه ليس في الآيتين عقوبة تسميل الأعين التي ذكرت الروايات، ومنها رواية البخاري أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أوقعها عليهم. بل ولعل الرواية التي تذكر أن الآيتين نزلتا بعد التنكيل وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يسمل بعدها وصار ينهى عن المثلة هي الصحيحة. وقد قال الطبري : إن هذا هو الأولى بالصواب.
وفحوى الآية الثانية من القرائن على أن الآيتين هما في صدد كفار أعداء. فمحاربة الله ورسوله لا يمكن أن تكون إلا من كافر. والآية الثانية تؤذن بقبول توبتهم أي إسلامهم قبل القدرة عليهم أي قبل الانتصار عليهم وأسرهم. وقد جاء هذا في آية في سورة التوبة فيها صراحة بأنها في صدد أعداء مشركين ناكثين للعهد وهي هذه : فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( ١١ ) وهذا متمثل بأسلوب آخر في آية سورة الأنفال هذه : قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ( ٣٧ ) وقد يكون في هذه الآية بخاصة تدعيم لما تبادر لنا من أن الآيات في صدد كفار أعداء.
ولقد كان زعماء بني النضير اليهود حينما أجلوا عن المدينة مع قبيلتهم ذهبوا إلى خيبر وتزعموا يهودها وأخذوا يحرضون قبائل العرب المشركين على النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين ويغرونهم بغزو المدينة. وقد ذهبوا إلى مكة فحرضوا قريشا أيضا، وأدى هذا إلى زحف قريش والأحزاب على المدينة. ولقد استمروا على حركاتهم العدوانية بعد وقعة الأحزاب والتنكيل ببني قريظة أيضا مما جعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم يزحف على خيبر ووادي القرى وينكل بأهلها وبزعماء بني النضير بعد صلح الحديبية مع قريش على ما شرحناه في سياق تفسير سور الحشر والأحزاب والفتح. فمن الجائز أن تكون هذه الآيات، بل وما قبلها في صدد ذلك، وأن تكون نزلت قبل أن يزحف النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليهم. والله أعلم.
وقد يلحظ أن العقوبات في الآية الأولى غير اعتيادية. ونميل إلى القول : إنها أسلوبية بسبيل تعظيم ما كان من اليهود وزعماء بني النضير من حركات فساد وتأليب وعدوان، وما كان من ذلك من خطر على المسلمين وكيانهم.
وعبارة : من قبل أن تقدروا عليهم في الآية ندم الأعداء الكفار وتوبتهم صدقا عن موقفهم قبل الانتصار عليهم ووقوعهم في الأسر. وينطوي في مبدأ من مبادئ الجهاد في الإسلام. وتمثل التسامح الإسلامي السامي في كل المواقف المماثلة، من حيث إنه يوحي بالإغضاء عما كان منهم قبل إسلامهم ما دام أنهم أسلموا من أنفسهم وقبل القدرة عليهم. وينطوي في هذا تقرير كون إصلاح الناس هو من الأهداف الرئيسية التي يهدف إليها القرآن ورسالة الإسلام ومبادئ الجهاد معا. ومن الحق أن ننبه في هذه المناسبة على أن ما قلناه لا يعني أن لا تقبل توبتهم أي إسلامهم بعد القدرة عليهم. فإن هذا من المقررات القرآنية المحكمة المتكررة بحق كل إنسان مهما عظمت جرائمه، وإن وروده في حالة التوبة قبل القدرة هنا كان متناسبا مع الحالة المذكورة في الآيات كما هو المتبادر. وآية سورة التوبة التي أوردناها آنفا لم تشترط التوبة قبل القدرة وجاءت مطلقة لتشمل قبول التوبة قبل القدرة وبعدها كما هو المتبادر أيضا. والله أعلم.
ومع ما قلناه من أن القرائن تدل على أن الآيات في صدد كفار أعداء وفي صدد مواقف اليهود العدوانية والفسادية فإن أئمة ( ١ )٣التأويل والفقه رأوا على ما ذكره الطبري وغيره من المفسرين في صيغة الآيتين التشريعية التامة والمطلقة ما جعلهم يعتبرونها شاملة للمسلمين أيضا بالإضافة إلى الكفار ويصوغون لها قواعد فقهية بعنوان ( الحرابة ) ويرونها قابلة للتطبيق على لصوص المسلمين المهاجرين بلصوصيتهم المصرين على ذلك، وبخاصة في الصحراء والمكابرين في الفسق والفجور والحاملين للسلاح على إخوانهم المسلمين والقاطعين للسبل والمخيفين للناس مسلميهم وذمييهم والمعتدين على أموالهم وأملاكهم وأعراضهم بالإرهاب والقوة. وقد يكون فرض ظهور أفراد ينتسبون إلى الإسلام يقترفون مثل هذه الأفعال الإرهابية واردا، ويكون تطبيق العقوبات الواردة في الآية الأولى عليهم وتسمية أعمالهم باسم ( الحرابة ) سائغا. غير أن قبول التوبة منهم قبل القدرة عليهم، وهو ما تضمنته الآية الثانية يعني فيما يعينه إسقاط قصاص القتل عنهم إذا قتلوا وحد القطع إذا سرقوا وحد الرجم والجلد إذا زنوا وهدر ما أحدثوه من جراحات ودمروه من أملاك ونهبوه من أموال. ولا يصح أن يفرض سواغ ذلك بالنسبة لمسلم تحت السلطان الإسلامي ؛ حيث يكون على هذا السلطان واجب مصادرتهم وتعقبهم وإيقاع العقوبات والحدود عليهم.
وسياق الطبري وغيره يفيد أن هذه النقطة مما خطرت للفقهاء والمؤولين فاختلفوا فيها. فمنهم من قال : إن التوبة التي يقبلها السلطان هي بالنسبة للكفار فقط ؛ حيث يسقط عنهم بالإسلام كل ما كانوا فعلوه إذا ما تابوا وأسلموا قبل القدرة عليهم، وأن على السلطان أن يقيم الحدود على المسلمين إذا ما ارتكبوا جرائم ضد النفوس والأعراض والأموال. ومنهم من قال : إن على السلطان أن يقبل التوبة من المحارب المفسد سواء أكان كافرا أم مسلما، أما إذا ما تاب قبل القدرة عليه. وأورد هؤلاء خبر حوادث وقعت في خلافة عثمان وعلي رضي الله عنهما ؛ حيث خرج بعض المسلمين فحملوا السلاح وسفكوا الدماء ونهبوا الأموال، ثم أعلنوا توبتهم وطلبوا الأمان فأعطي لهم، ولم يعاقبوا على ما فعلوه. كما أوردوا في معرض ذلك ما وقع في الردة في زمن أبي بكر رضي الله عنه ؛ حيث كان يعفو عن الذين كانوا يتوبون ويعودون إلى لواء الإسلام وسلطانه دون محاسبتهم عما وقع منهم في أثناء الردة ونحن نرجح القول الأول، ونقول في ما جاء من تعليلات القول الثاني : إن الأحداث كانت في سياق فتنة عامة، وليست فردية شخصية، وإنها لا تصح أن تورد في معرض ما نحن فيه، وإن المسلم الذي يرتكب جرائم غير عادية فيها قتل نفس وقطع سبيل وإخافة للناس وعدوان على أموالهم وأعراضهم يجب أن يكون موضع تطبيق لحدود الله ولو تاب قبل اعتقاله أي القدرة عليه، وإن كل ما يمكن أن يكون في حال توبته هو احتمال عفو الله له إذا ما أقيمت عليه الحدود واستردت منه الأموال. والله أعلم.
وقد يقال : إن المسلم قد يرتد إلى الكفر، ثم يرتكب الجرائم الموصوفة وهو كافر، ثم يتوب قبل القدرة عليه. وواضح أن هذا المجرم لا يكون قد احتفظ بصفة المسلم ويصبح حكمه حكم كافر أو مرتد تقبل توبته إذا ما تاب وعاد إلى الإسلام قبل القدرة عليه. ولقد عزا الطبري إلى بعض الفقهاء والمؤولين قولا في صدد مثل هذا مفاده : أن على الإمام أن يسترد ما في يده من مال الناس ويرده إلى أصحابه، وأن يقيم عليه حد القتل إذا طلب ولي قتيل بدم قتيله وأقام البينة عليه إذا ما كان ذلك عملا شخصيا وليس في سياق حرب عامة. وهذا وجيه، وقد يصح أن يطبق حت
ولقد أورد ابن كثير بعض الأحاديث النبوية في سياق الآية الثانية وبخاصة الجملة الأخيرة منها، منها حديث عن عبادة بن الصامت قال : إنه رواه مسلم. وقد ورد حديث مقارب له في التاج برواية البخاري ومسلم والترمذي والنسائي هذا نصه :( قال عبادة : كنا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مجلس فقال : تبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تزنوا ولا تسرقوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، فمن وفى فأجره على الله، ومن أصاب شيئا من ذلك فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب شيئا من ذلك فستره الله فأمره إلى الله إن شاء عفا وإن شاء عذبه، فبايعناه على ذلك ) ( ١ )١وحديث رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجة عن علي قال :( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من أذنب ذنبا في الدنيا فعوقب عليه فالله أعدل من أن يثني عقوبته على عبده، ومن أذنب ذنبا في الدنيا فستره الله عليه وعفا عنه فالله أكرم من أن يعود عليه في شيء قد عفا عنه ). ويلوح إلى أن ابن كثير قد أورد الأحاديث على اعتبار انطباق الآية على المسلمين. ومع ذلك فإنه يلوح أنها إنما تصح أن تساق في معرض ذنوب يقترفها مسلم ما في حالة اعتيادية، وليس في حالة توصف بأنها محاربة الله ورسوله والسعي في الأرض فسادا. وقد يكون حينئذ من حكمتها تطمين المؤمن الصادق في إيمانه مع بث الخوف والرجاء في نفسه. أما على اعتبار أن الآية في صدد الكافر وبخاصة الكافر المحارب فليست الأحاديث موضع تطبيق كما هو المتبادر. فالذي يموت كافرا مخلدا في النار. حتى ولو لم يرتكب جرائم أخرى كما هو مقرر في الآيات القرآنية العديدة.
التفسير الحديث
دروزة