المعنى الجملي : بعد ان أبان سبحانه فظاعة جرم القتل وشدد في تبعة القاتل فذكر أن من قتل نفسا بغير حق فكأنما قتل الناس جميعا – ذكر هنا العقاب الذي يؤخذ به المفسدون في الأرض حتى لا يتجرأ غيرهم على مثل فعلهم وقد ذهب أكثر الأئمة إلى أن الآيثين نزلتا في عكل وعرينة فقد روى أحمد والبخاري ومسلم وأصحاب السنن عن أنس '' أن ناسا من عكل وعرينة قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم وتكلموا بالإسلام فاستوخموا المدينة ( وجدوها رديئة المناخ ) فأمر لهم النبي صلى الله عليه وسلم بذود ( بضع من الإيل ) وراع وأمرهم أن يخرجوا فليشربوا من أبوالها وألبانها فانطلقوا حتى إذا كانوا بناحية الحرة كفروا بعد إسلامهم وقتلوا راعي النبي واستاقوا الذود فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فبعث الطلب في آثارهم فأمر بهم فسمروا أعينهم ( كحلوها بمسامير الحديد المحماة ) وقطعوا أيديهم وتركوا في ناحية الحرة حتى ماتوا على حالهم '' زاد البخاري أن قتادة الذي روى الحديث عن أنس قال :'' بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك كان يحث على الصدقة وينهي عن المثلة'' ورولا أبو داود والنسائي عن أبي الزناد : أن رسول الله لما قطع الذين سرقوا لقاحه وسمل أعينهم بالنار عاتبه الله في ذلك فأنزل : إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا الآية.
تفسير المفردات :
ومن قبل أن تقدروا عليهم : أي من قبل التمكن من عقابهم.
الإيضاح :
ثم استثنى ممن يستحقون العقوبة من تاب فقال :
إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم أي لكم أن تعاقبوا هذا العقاب الذي تقدم ذكره من قطعوا الطريق وعاثوا في الأرض فسادا إلا من تابوا الى الله وأنابوا من قبل أن يتمكن منهم الحاكم ويقدر على عقوبتهم فإن توبتهم حينئذ وهم في قوة ومنعة جديرة بأن تكون توبة خالصة لله صادر عن اعتقاء بقبح الذنب والعزم على عدم العودة إلى فعل مثله وليس سببها الخوف من عقاب الدنيا وإذا فهم قد تركوا الإفساد ومحاربة الله ورسوله ومن ثم لا يجمع لهم بين أشد العقاب في الدنيا والعذاب في الآخرة بل يصيرون لمغفرة الله ورحمته كما قال :
فاعلموا أن الله غفور رحيم أي فاعلموا أن الله غفور لما فرط من ذنوبهم رحيم بهم يرفع العقاب عنهم وهذه التوبة ترفع عنهم حق الله كله من عقاب في الدنيا والآخرة ولكن تبقى حقوق العباد فلمن سلبهم التائب أموالهم أيام إفساده أن يطالبوه بها ولمن قتل منهم أحدا أن يطالبوه بدمه وهم مخيرون بين القصاص والدية والعفو فقد ثبت عن الصحابة إسقاط الحد عمن تاب ولم يثبت أن أحدا تقاضى التائب حقا ولم يسمع له الحاكم.
و إذا فتوبته لا تصح إلا إذا أعاد الأموال المسلوبة إلى أربابها فإذا رأى ولي الأمر إسقاط حق مالي عن المفسد مراعاة للمصلحة العامة وجب ان يضمنه من بيت المال ( وزارة المالية ).
و الخلاصة : إن هاتين الآيتين تضمنتا عقاب المحاربين المفسدين في الأرض الذين يعملون أعمالا مخلة بالأمن على الأنفس والأموال والأعراض في بلاد الإسلام معتصمين في ذلك بقوتهم مع عدم الإذعان لأحكام الشريعة باختيارهم وهو أن يطاردهم الحكام ويتتبعوهم حتى إذا قدروا عليهم عاقبوهم بتلك العقوبات بعد تقدير كل مفسدة بقدرتها ومراعاة المصلحة العامة ومن تاب قبل القدرة عليه لا يعاقب بما هنا من العقوبات بل حكمه حكم سائر المسلمين.
تفسير المراغي
المراغي