ثم رجع إلى عتاب اليهود، فقال :
. . . وَمِنَ الَّذِينَ هِادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُواْ وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُوْلَائِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِن جَآءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذالِكَ وَمَآ أُوْلَائِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ
هم سماعون للكذب ، كرر للتأكيد، وليرتب عليه قوله : أكَّالون للسحت أي : الحرام، كالرشا وغيرها، وسُمي سحتًا ؛ لأنه يسحت البركة ويستأصل المال، كما قال صلى الله عليه وسلم " من جمع المال من نهاوش١ أذهبه الله في نهابر " ٢.
ثم خيَّر نبيه عليه الصلاة والسلام في الحكم بينهم، فقال : فإن جاؤوك متحاكمين إليك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ، وقيل : نسخ بقوله :
وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم [ المَائدة : ٤٩ ]. والجمهور : أن ما كان من باب التظالم والتعدي فإن الحاكم يتعرض بهم ويبحث عنه، وأما النوازل التي لا ظلم فيها، وإنما هي دعاوى، فإن رضوا بحكمنا فالإمام مُخير، وإن لم يرضوا فلا نتعرض لهم، انظر ابن عطية، وقال البيضاوي : ولو تحاكم كتابيان إلى القاضي لم يجب عليه الحكم، وهو قول الشافعي : والأصح : وجوبه ؛ إذا كان المترافعان أو أحدهما ذميًا، لأنا التزمنا الذب عنهم، ومذهب أبي حنيفة : يجب مطلقًا. ه.
وإن تُعرض عنهم فلن يضروك شيئًا ؛ لأن الله عصمك من الناس، وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط أي : العدل الذي أمر الله به إن الله يحب المقسطين ، فيحفظهم ويعظم شأنهم.
قال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه : من كان من فقراء الزمان يسمع الغناء، ويأكل أموال الظلمة، ففيه نزعة يهودية، قال تعالى : سماعون للكذب أكالون للسحت . هـ.
فإن جاؤوك أيها العارف، يستخبرونك، ويخاصمونك في الأمر بخرق العوائد، ويزعمون أنهم موافقون للسنة، فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئًا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط ، وهو الأخذ بكل ما يقتل النفوس، ويجهز عليها، إن الله يحب المقسطين وكيف يحكمونك أو يخاصمونك، وعندهم القرآن فيه حكم الله بذلك، قال تعالى : وَالَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا [ العَنكبوت : ٦٩ ]، ولا يكون جهاد النفس إلا بمخالفتها، وقتلها بترك حظوظها وهواها. والله تعالى أعلم.
٢ النهابر: المهالك..
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي