المعنى الجملي : أخرج أحمد ومسلم وأبو داود وابن جرير وابن المنذر عن البراء بن عازب قال :'' مر النبي صلى الله عليه وسلم بيهودي محمما١ مجلودا فدعاهم فقال : أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم ؟ قالوا : نعم فدعا رجلا من علمائهم فقال : أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم ؟ قال : اللهم لا ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك نجد حد الزاني في كتابنا الرجم ولكنه كثر في أشرافنا فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد فقلنا تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم فقال النبي صلى الله عليه وسلم :'' اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه '' وامر به فرجم فأنزل الله يأيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر- إلى قوله – إن أوتيتم هذا فخذوه
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم عن عمر قال : إن اليهود أتوا النبي صلى الله عليه وسلم برجل منهم وامرأة قد زنيا فقال :'' ما تجدون في كتابكم ؟ '' قالوا : نسخم وجوههما ويخزيان قال :'' كذبتم إن فيها الرجم '' فَأَتَوا بٍِالتوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِِِِِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينِ ( المائدة : ٩٣ ) فجاؤوا بالتوراة وجاؤوا بقارئ لهم أعور يقال له ابن صوريا فقرأ حتى إذا أتى إلى موضع منها يده عليه فقيل له : ارفع يدك فرفع يده فإذا هي تلوح ( أي آية الرجم ) فقالوا : يا محمد إن فيها الرجم ولكنا نتكاتمه بيننا فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما فلقد يجأ عليها ( ينحني ) يقيها الحجارة بنفسه.
تفسير المفردات :
والفتنة : الاختبار كما يفتن الذهب بالنار فيظهر مقدار ما فيه من الغش والزغل والسحت : ما خبث من المكاسب وحرم فلزم عنه العار وقبح الذكر كثمن الكلب والخنزير والخمر والرشوة في الحكم والقسط : العدل.
الإيضاح :
سماعون للكذب أكالون للسحت أعاد الله وصفهم بكثرة السماع للكذب للتأكيد وتقرير المعنى وإفادة اهتمام المتكلم بأمره وبيان أن أمرهم كله مبني على الكذب الذي هو شر الرذائل وأضل المفاسد وهكذا شأن الأمم الذليلة تلوذ بالكذب وتدرأ به عن نفسها ما تتوقع من ضر بما يلحقها.
و كذلك انتشر بين أفرادها أكل السحت لانها كانت تعيش بالمحاباة والرشا في الأحكام ففسدت بينها أمور المعاملات وكذلك استبدلت الطمع بالعفة وكان أحبار اليهود ورؤساؤهم عصر التنزيل كذابين أكالين للسحت من رشوة وغيرها من الدناءات كما هو دأب سائر الأمم فسادها وأزمان انحطاطها.
فان جاؤوك فاحكم بينهم أو اعرض عنهم أي فإن جاؤوك متحاكمين إليك فأنت مخير بين الحكم بينهم والإعراض عنهم وتركهم إلى رؤسائهم وهذا التخيير خاص بالمعاهدين دون أهل الذمة فلا يجب على حكام المسلمين أن يحكموا بين الأجانب الذين هم في بلادهم وإن تحاكموا إليهم بل هم مخيرون يرجحون في كل حال ما يرونه من المصلحة.
أما أهل الذمة فيجب الحكم بينهم إذا تحاكموا إلينا لأن من أخذت منه الجزية تجري عليه أحكام الإسلام في البيوع والمواريث وسائر العقود إلا في بيع الخمر والخنزير فإنهم يقرون عليه ويمنعون من الزنى كالمسلمين فإنهم نهوا عنه ولا يرجمون إذ من شروط الرجم الإسلام.
وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا أي وإن اخترت الإعراض عنهم ولم تحكم بينهم فلن يضروك شيئا من الضرر فالله حافظك من ضرهم.
وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين أي وإن اخترت أن تحكم بينهم فاحكم بالعدل الذي أمرت به وهو ما تضمنه القرآن واشتملت عليه شريعة الإسلام.
تفسير المراغي
المراغي