ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮ

يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هِادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُواْ وَمَن يُرِدِ اللّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللّهِ شَيْئًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ( ٤١ ) سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِن جَآؤُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُم أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ( ٤٢ ) وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ ( ٤٣ ) .
أخرج أحمد والبخاري ومسلم عن ابن عمر قال : إن اليهود أتوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم برجل منهم وامرأة قد زنيا فقال : ما تجدون في كتابكم ؟ قالوا : تسخم وجوههم ويخزيان، قال : كذبتم إن فيها الرجم ( فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين ) فجاءوا بالتوراة وجاءوا بقارئ لهم – وفي رواية أحمد زيادة : أعور يقال له ابن صوريا – فقرأ حتى إذا أتى إلى موضع منها وضع يده عليه، فقيل له : ارفع يدك، فرفع يده فإذا هي تلوح ( أي آية الرجم ). فقال : يا محمد إن فيها الرجم ولكنا كنا نتكاتمه بيننا. فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرجما. فلقد رأيته يجنأ عليها ( أي ينحني ) يقيها الحجارة بنفسه١ ولفظ مسلم٢ : نسود وجوههما ( وهو بمعنى التسخيم هنا والتحميم في رواية أخرى، فالأول من السخام وهو سواد القدر، والثاني من الحمة وهي ( الفحمة ) ونحملهما ونخالف بين وجوههما، أي نركبهما ونجعل وجوههما إلى مؤخر الدابة – وهو المراد من الخزي أي الفضيحة. وفيها أن الذي أمر القارئ أن يرفع يده هو عبد الله بن سلام.
وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي والنحاس في ناسخه وابن جرير وابن المنذر وأبي حاتم وغيرهم عن البراء بن عازب. قال : مر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بيهودي محمما مجلودا، فدعاهم فقال : أهكذا تجدون حد الزنى في كتابكم ؟ قالوا : نعم، فدعا رجلا من علمائهم فقال : أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم ؟ قال : اللهم لا. ولولا إنك نشدتني بهذا لم أخبرك، نجد حد الزاني في كتابنا الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا الحد، فقلنا : تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم. فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ( اللهم أني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه ) وأمر به فرجم، فأنزل الله يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ - إلى قوله – إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ ٣ يقول : ائتوا محمدا فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم، فاحذروه. فأنزل الله عز وجل وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [ المائدة : ٤٤ ] - وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُون [ المائدة : ٤٥ ] – وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [ المائدة : ٤٧ ] قال هي في الكفار كلها.
هذا أصح ما ورد في سبب نزول الآيات. وهاك تفسيرها :
ثم قال في وصفهم سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ أعاد وصفهم بكثرة سماع الكذب لتأكيد ما قبله، والتمهيد لما بعده – كما قالوا- : والإعادة للتأكيد وتقرير المعنى، وإفادة اهتمام المتكلم به، مما ينبعث عن الغريزة، ويعرف التأثير والتأثر به من الطبيعة، ولعله عام في جميع لغات البشر. وإذا قلنا إن اللام في الآية الأولى للتعليل، وفي هذه الآية للتقوية، ينتفي التكرار، إذ المعنى هناك : يسمعون كلام الرسول والمؤمنين لأجل أن يجدوا مجالا للكذب ينفرون الناس به من الإسلام، والمعنى هنا أنهم يسمع بعضهم الكذب من بعض سماع قبول، فهم يكذب بعضهم على بعض كما يكذبون على غيرهم، ويقبل بعضهم الكذب من بعض. فأمرهم كله مبني على الكذب، الذي هو شر الرذائل وأضر المفاسد. وهكذا شأن الأمم الذليلة المهينة، تلوذ بالكذب في كل أمر، وترى أنها تدرأ به عن نفسها ما تتوقع من ضر.
وكذلك يفشو فيها أكل السحت، لأنها تعيش بالمحاباة، وتألف الدناءة وتؤثر الباطل على الحق. فسر ابن مسعود السحت بالرشوة في الدين، وابن عباس بالرشوة في الحكم، وعلي بالرشوة مطلقا، قيل له : الرشوة في الحكم ؟ قال : ذلك الكفر. وقال عمر : بابان من السحت يأكلهما الناس – الرشا في الحكم ومهر الزانية. فأفاد أن السحت أعم من الرشوة ومن فسره بالرشوة المطلقة أو المقيدة فقد أراد به أنه المراد من الآية باعتبار نزولها في أحبار اليهود ورؤسائهم لا المعنى اللغوي العام. وقيل : السحت الحرام مطلقا، أو الربا، أو الحرام الذي فيه عار ودناءة كالرشوة. واختلف علماء العربية في معناه الأصلي الذي اختير هذا اللفظ لأجله. فقال الزجاج هو من سحته وأسحته بمعنى استأصله بالهلاك، ومنه قوله تعالى : قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب [ طه : ٦١ ] فعلى هذا يكون المراد بالسحت ما يسحت الدين والشرف لقبحه وضرره، أو لسوء عاقبته وأثره. وقال الفراء : أصل السحت شدة الجوع، يقال رجل مسحوت المعدة إذا كان أكولا لا يكاد يرى إلا جائعا. وعلى هذا يكون المراد به الحرام أو الكسب الدنيء الذي يحمل عليه الشره.
قرأ ابن عامر ونافع وعاصم وحمزة السحت بضم السين وفتح الحاء والباقون بضمهما معا. السحت والسحت كل حرام قبيح الذكر، وقيل ما خبث من المكاسب وحرم فلزم عنه العار وقبيح الذكر، كثمن الكلب والخمر والخنزير. وسحت الشيء يسحته ( كفتح يفتح ) قشره قليلا، وسحت الشحم عن اللحم قشرته عنه مثل سخفته... وقال اللحياني سحت رأسه سحتا وأسحته استأصله حلقا. وأسحت ماله استأصله وأفسده. – إلى أن قال – والسحت ( بالفتح ) شدة الأكل والشرب، ورجل سحت ( بالضم ) وسحيت ومسحوت : رغيب واسع الجوف لا يشبع. اه المراد من اللسان. فعلم منه أن أصل معنى السحت إزالة القشر عن العود بالتدريج وما في معناه كحلق الشعر، ومن العرب من لا يقول : اسحت الشيء. إلا إذا استأصله بالقشر. ويمكن إرجاع معنى عدم الشبع إلى هذا المعنى كأن المعدة لسرعة هضمها تستأصل الطعام. وسمي الكسب الخسيس والحرام سحتا لأنه يستأصل المروءة أو الدين، والرشوة تستأصل الثروة، وتفسد أم المعاملة، وتستبدل الطمع بالعفة وكان أحبار اليهود ورؤساؤهم في عصر التنزيل كذابين أكالين للسحت من الرشوة وغيرها من الخسائس، كدأب سائر الأمم في عهد فسادها وانحطاطها، وقد صارت حالهم الآن أحسن من حال كثير من الذين يعيبونهم بما كان من سلفهم.
ومن عجائب غفلة البشر عن أنفسهم أن يعيبك أحدهم بنقيصة ينسبها إلى أحد أجدادك الغابرين، على علم منه بأنك عار عنها، أو متصف بالمحمدة التي هي ضدها، وهو متصف بنقيصة جدك التي يعيبك بها ! فإن كثيرا ممن يعدهم المسلمون من أحبارهم ورؤساء الدين فيهم، وكثيرا من حكامهم الشرعيين والسياسيين يكذبون كثيرا ويقبلون الكذب ويأكلون السحت، حتى أنهم يأخذون الرشوة من طلبة العلم ليشهدوا لهم زورا بأنهم صاروا من العلماء الأعلام، ويعطونهم ما يسمونه ( شهادة العلمية ) كما يمنحهم حكامهم الرتب العلمية. وقد تجرأ بعض طلبة الأزهر مرة على شيخنا الأستاذ الإمام فعرض عليه ثلاثين جنيها ليساعده في امتحان شهادة العالمية لعلمه بأنه غير مستعد للامتحان ولا أهل للشهادة، فلم يملك الأستاذ نفسه من الانفعال أن ضربه ضربا موجعا، وقال : أتطلب في هذه السن أن أغش المسلمين بك لتفسد عليهم دينهم بجهلك، بهذه الجنيهات الحقيرة في نظري العظيمة في نظرك، وأنا الذي لم أتدنس في عمري حتى ولا بقبول الهدية ممن أنقذتهم من الموت ؟. ولو كنت ممن يتساهل في هذا لكنت من أوسع الناس ثروة. أو ما هذا مؤداه.
فَإِن جَآؤُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُم أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ أي فإن جاءوك متحاكمين إليك فأنت مخير بين الحكم بينهم والإعراض عنهم وتركهم إلى رؤسائهم. وقد اختلف العلماء في هذا التخيير : أهو خاص بتلك الواقعة التي نزلت فيها الآية، وهي حد الزنا هل هو الجلد أو الرجم، أو دية القتيل، إذ كان بنو النضير يأخذون دية كاملة على قتلاهم لقوتهم وشرفهم، وبنو قريظة يأخذون نصف الدية لضعفهم، وقد تحاكموا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فجعل الدية سواء أم هوة خاص بالمعاهدين دون أهل الذمة وغيرهم، إذ كان أولئك اليهود معاهدين، أم الآية عامة في جميع القضايا من جميع الكفار، عملا بقاعدة العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ؟ المرجح المختار من الأقوال في الآية أن التخيير خاص بالمعاهدين دون أهل الذمة. وعلى هذا لا يجب على حكام المسلمين أن يحكموا بين الأجانب الذين هم في بلادهم وإن تحاكموا إليهم، بل هم مخيرون، يرجحون في كل وقت ما يرون فيه مصلحة. وأما أهل الذمة فيجب الحكم بينهم إذا تحاكموا إلينا. وليس في الآية نسخ كما قال بعض من زعم أنها عامة في جميع الكفار، وقد نسخ من عمومها التخيير في الحكم بين الذميين. قال بعضهم إن التخيير منسوخ بقوله تعالى في هذا السياق وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ [ المائدة : ٤٩ ] ونقول لا يعقل أن تنزل آيات في سياق واحد كما هو ظاهر في هذه الآيات فيكون بعضها ناسخا لبعض. وإنما تلك الآية أمر للنبي صلى الله عليه وسلم بأن يحكم بينهم بما أنزل الله من القسط. وسيأتي بيان ذلك.
وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئًا أي وإن اخترت الإعراض عنهم، فأعرضت ولم تحكم بينهم، فلن يستطيعوا أن يضروك شيئا من الضر، وإن ساءتهم الخيبة، وفاتهم ما يرجون من خفة الحكم وسهولته. ولعل هذا تعليل للتخيير. وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ أي وإن اخترت الحكم فاحكم بينهم بالقسط أي العدل لا بما يبغون. وقد شرحنا معناه اللغوي وبينا ما عظم الله من أمره في القيام به والشهادة به في تفسير الآية ١٣٤ من سورة النساء ج٥ تفسير ) والآية التاسعة من هذه السورة. والمقسطون هم المقيمون للقسط بالحكم به أو الشهادة أو غير ذلك. وفصلنا القول في الحكم بالعدل في تفسير وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل [ النساء : ٥٨ ] فيراجع في المنار أو ( ص ١٧٤-١٧٥ من ج ٥ تفسير ).

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

رشيد رضا

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير