حنث أيمانكم، ثم حذف المضاف، وقال أبو إسحاق: أي ذلك الذي يغطي على آثامكم (١).
وقوله تعالى: وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ، قال ابن عباس: يريد لا تحلفوا (٢)، وقال غيره: واحفظوا أيمانكم عن الحنث فلا تحنثوا (٣)، وحفظ اليمين يحتمل الأمرين (٤).
٩٠ - قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ، قد ذكرنا في سورة البقرة معنى الخمر والميسر وأصلهما واشتقاقهما (٥)، وقد قال ابن عباس في هذه الآية: "يريد الخمر من جميع الأشربة التي تخمر حتى تشتد وتسكر" (٦).
وقد قال - ﷺ -: "الخمر من تسع: من البِتْع وهو العسل، ومن العنب، ومن الزبيب، ومن التمر، ومن الحنطة، ومن الذرة، والشعير، والسُلت" (٧)، وقال في الميسر: "يريد القمار، وهو في أشياء كثيرة" (٨). انتهى كلامه،
(٢) انظر: "الوسيط" ٢/ ٢٢٢، ونسبه محققه لتفسير ابن عباس ص ١٠٠، والبغوي ٣/ ٩٣، و"زاد المسير" ٢/ ٤١٦.
(٣) "تفسير الطبري" ٧/ ٣١، "النكت والعيون" ٢/ ٦٣، "زاد المسير" ٢/ ٤١٦.
(٤) "النكت والعيون" ٢/ ٦٣. ورجح البغوي ٣/ ٩٣ القول الثاني.
(٥) الظاهر أن ذلك عند تفسير قوله تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ [البقرة: ٢١٩].
(٦) انظر: "الوسيط" ٢/ ٢٢٣، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ١٢٣.
(٧) أخرجه بمعناه أبو داود (٣٦٧٦ - ٣٦٧٧) في الأشربة، باب الخمر ما هي؟ من حديث النعمان بن بشيرِ، والترمذي (١٨٧٢) في الأشربة، باب ما جاء في الحبوب التي يتخذ منها الخمر، وابن ماجه (٣٣٧٩) في الأشربة، باب مما يكون منه الخمر.
(٨) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ١٢٣.
وقال الزجاج: (والميسر: القمار) (١) كله، وأصله أنه كان قمارًا في الجزور، وكانوا يقسمون الجزور في قول الأصمعي على ثمانية وعشرين جزءًا، وفي قول أبي عمرو الشيباني على عشرة أجزاء، وقال أبو عبيدة: لا أعرف عدد الأجزاء. وكانوا يضربون عليها بالقداح (٢).
فهذا أجل الميسر، والقمار كله كالميسر (٣)، ويطول الكلام في كيفية قمار العرب على الجزور، فتركت ذلك، قال أبو إسحاق: وقد بينتها على حقيقتها في كتاب "الميسر".
وقوله تعالى: وَالْأَنْصَابُ، قال ابن عباس: يريد أنصبتهم التي نصبوها يعبدونها، وواحدها نَصْبٌ (٤)، وقال في الأزلام: إنها سهام مكتوب عليها خير وشر (٥)، ومثل ذلك قال الفراء والزجاج وغيرهما في الأنصاب والأزلام (٦).
وقد ذكرنا معنى الأنصاب والأزلام في أول السورة عند قوله تعالى: وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ [المائدة: ٣].
وذهب بعضهم إلى أن المراد بالأزلام ههنا: قداح الميسر، قال
(٢) انظر: "مجاز القرآن" ١/ ١٧٥.
(٣) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٢٠٣، وانظر: "معاني القرآن" للنحاس ٢/ ٣٥٦.
(٤) انظر: غريب القرآن لابن قتيبة ص ١٤٥، "النكت والعيون" ٢/ ٦٤، "الوسيط" ٢/ ٢٢٦، ونسبه المحقق لتفسير ابن عباس ص ٨٨، والبغوي ٣/ ٩٤.
(٥) "النكت والعيون" ٢/ ٦٤، "الوسيط" ٢/ ٢٢٦، وعزاه المحقق لتفسير ابن عباس ص ٨٨، والبغوي ٣/ ٩٤.
(٦) "معاني القرآن" للفراء ١/ ٣١٩، "غريب القرآن" لابن قتيبة ص ١٤٥، "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج ٢/ ٢٠٣.
الأزهري: ومن قال ذلك فقد وهم.
وقوله تعالى: رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ، الرجس في اللغة: اسم لكل ما استقذر من عمل، يقال: رَجِسَ الرجل رَجَسًا ورَجُسَ، إذا عمل عملًا قبيحًا، وأصل من الرَّجَس بفتح الراء وهو شدة الصوت، يقال: سحاب رجاس، إذا كان شديد الصوت بالرعد، قال الراجز:
وكل رجَّاس يَسُوق الرُّجَّسَا (١)
فكان الرجس العمل الذي يقبح ذكره جدًا ويرتفع في القبح (٢)، قال الزجاج (٣): بالغ الله في ذم هذه الأشياء فسماها رجسًا، وأعلم أن الشيطان يسول ذلك لبني آدم (٤).
وقوله تعالى: فَاجْتَنِبُوهُ، أي: كونوا جانبًا منه (٥)، والهاء عائدة على الرجس (٦)، والرجس واقع على الخمر وما ذكر بعدها، وقد قرن الله تعالى تحريم الخمر بتحريم عبادة الأوثان تغليظًا وإبلاغًا في النهي عن شربها، ولذلك قال رسول الله - ﷺ -: "مدمن الخمر كعابد الوثن" (٧).
(٢) الكلام من أوله من "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج ٢/ ٢٠٣، ٢٠٤، "تهذيب اللغة" ٢/ ١٣٦٧ (رجس)، "زاد المسير" ٢/ ٤١٧
(٣) في (ج): (الزجاجي)، وهو تصحيف لأن الكلام للزجاج.
(٤) "معاني الزجاج" ٢/ ٢٠٣.
(٥) "معاني الزجاج" ٢/ ٢٠٦، "معاني القرآن" للنحاس ١/ ٣٥٦.
(٦) "تفسير البغوي" ٣/ ٩٤.
(٧) أخرجه البخاري في تاريخه ١/ ١٢٩، ٣/ ٥١٥، والبيهقي في "شعب الإيمان" ٥/ ١٢، وصححه الألبانى. انظر: "صحيح الجامع الصغير" ٥/ ٢٠٥ برقم ٥٧٣٧.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي