(أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا).
(ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ).
أي ذلك الذي يغطي على آثامكم، يقال كَفَرْتُ الشيءَ إِذا غطَّيتُه، ومنه
قوله عزَّ وجلَّ: (أعجب الكفَارَ نباتُه)، والكفار الذين يغطون الزرع
ويصلحونه، والكافر إِنما سمي كافراً، لأنه ستر بكفره الِإيمان.
* * *
وقوله عزَّ وجلَّ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)
فالخمر معروف وهو ما خامر العقل، وقد فسرناه، والميسرُ القَمارُ
كله، وأصله إنَّه كان قماراً في الجزور، وكانوا يقسمون الجَزورَ في قول
الأصمعي على ثمانية وعشرين جزءاً، وفي قول أبي عمرو الشيباني على عشرة
أجزاء، وقال أبو عبيدة لا أعرف عَدَدَ الأجزاء، وكانوا يضربون عليها بالقداح وهي سهامُ خَشبٍ. لها أسماء نبينها على حقيقتها في كتابنا إِن شاءَ اللَّه، فيحصل كل رجل من ذلك القمار على قدر إِمكانه، فهذَا أصْل الميْسرِ، والقمار كلُّه كالميْسر وقد بيَّنَّا الأنصاب والأزلام في أول السورة.
فأعلمَ اللَّهُ أن القِمارَ والخَمرَ والاسْتِقْسَامَ بالأزْلامِ وعبادةَ الَأوثان رجسٌ.
والرجس في اللغة اسم لكل ما استُقْذِرَ من عمل، فبالغ الله في ذَمَ هذه
الأشياء، وسماها رجْساً، وأعلم أَن الشيطان يُسَوِّلُ ذلك لِبَني آدم، يقال رَجِسَ الرجلً يَرْجَسُ، ورجَسَ يَرْجُسُ، إِذَا عمل عملاً قبيحاً، والرجْسُ بفتح الراء
شِدَّةُ الصوْتِ، فكان الرجس العمل الذي يقبح ذكره، ويرتفع في القبح.
ويقال سحاب ورَعْد رجَّاسٌ إِذا كان شديد الصوت.
قال الشاعر:
وكل رَجَّاسٍ يَسُوقَ الرُّجَّسَا
وأمَّا الرجز بالزاي فالعذابُ، أو العمل الذي يَؤدي إِلى العذاب.
قال اللَّه: (لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ) أي كشفت عنا العذاب، وقوله: (وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ) قالوا عبادة الأوثان.
وأصل الرجْز في اللغة تتابع الحركات، فمِنْ ذلك قولهم رجزاءَ إِذا كانت ترتعد قوائمها عند قيامها.
ومن هذا رَجَزُ الشَعر لأنه أقْصَر أبيَاتِ الشَعْرِ، والانتقال فيه من بيت إلى بيت سريع نحو قوله:
يا ليتني فيها جذع أخب فيها وأضع
ونحو قولهم:
صَبْراً بَنِي عَبْدِ الدارِ
ونحو قولهم:
ما هاج أحزانا وشجوا قد شجا
وزعم الخليل أن الرجَزَ ليس بشعر، وإِنما هو أنصاف أبْيَات أو أَثلاث.
ودليل الخليل في ذلك ماروي عن النبي - ﷺ -:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلًا وتأتيك من لم تزوَّدْ بالأخبار.
قال الخليل: لوكان نصف البيت شعراً ما جرى على لسان النبي - ﷺ -
سَتُبدِي لك الأيَّامُ مَا كَنْتَ جَاهِلاً
وجاءَ النصف الثاني على غير تأْليف الشعر، لأن نصف البيت لا يقال له
شِعرٌ ولا بَيتٌ، ولو جاز أن يقال لنصف البيت شعر لقيلَ لِجُزْءٍ منه شعر.
وجرى على لسان النبي - ﷺ - فيما روَى:
أَنا النبي لا كذب
أنا ابن عبد المطلب
قال بعضهم: إِنما هوَ لا كذِبَ أنا ابن عبد المطلب، بفتح الباءِ على
الوصل.
قال الخليل: فلو كان شعراً لم يجر على لسان النبي - ﷺ -، قال اللَّه: (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ)، أي ما يَسَفَل له.
قال الأخفش كان قول الخليل إِن هذه الأشياءَ شعرٌ، وأنا أقول: إِنها ليست بشعر، وذكر أنه ألْزَم الخليلَ أن الخليل اعتقده.
ومعنى الرجز العذاب المُقَلْقِلُ لشدتِه قلْقَلةً شَدِيدَةً متتابعة.
ومعنى فاجتَنِبُوهَ: أَي اتركوه.
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
أبو إسحاق إبراهيم بن السري بن سهل، الزجاج
عبد الجليل عبده شلبي