أحل لكم صيد البحر أي الاصطياد من البحر لأنه هو المراد من صيد البر كما سنذكر طعامه أي ما يطعم منه الضمير إما عائد إلى الصيد أو إلى البحر أي ما يطعم من صيد البحر أو من البحر، وقيل : المراد بصيد البحر كل حيوان لا يعيش إلا في الماء وطعامه أكله، وأحتج به مالك على جواز أكل كل حيوان بحري وقد مرت المسألة في أول السورة، وقال : عمر رضي الله عنه صيد البحر ما اصطيد وطعامه ما رمى به، وعن ابن عباس وابن عمر وأبي هريرة طعامه ما قذفه الماء إلى الساحل ميتا، وقال : سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب وعكرمة وقتادة والنخعي ومجاهد صيده طريه وطعامه مالحه متعا لكم مفعول له لأحل يعني أحل ذلك تمتيعا لكم أي للمقيمين منكم يأكلونه طريا وللسيارة أي المسافرين منكم يتزودونه قديدا وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما قيل : معنى الآية حرم صيد البر مطلقا على المحرم وإن اصطاده حلال من غير أمر المحرم ولا إعانته ولا إشارته ولا لأجله، يروي ذلك عن ابن عباس وهو قول طاووس وسفيان الثوري ويؤيده حديث ابن عباس عن الصعب بن جثامة الليثي أنه أهدى لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حمارا وحشيا وهو بالأبواء أو بودان فرد عليه فلما رأى ما في وجهه قال :( إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم ) ١ متفق عليه، وعند النسائي ( لا نأكل الصيد ) وفي رواية سعيد عن ابن عباس :( لولا أنا محرمون لقبلنا منك ) وأجيب بما ترجم البخاري في الباب أنه حمل الحديث على أن الحمار كان حيا والمحرم لا يجوز له ذبح الصيد الحي كذا نقلوا التأويل عن مالك، وهذا التأويل لا يصح لأنه رواه إسحاق : في مسنده بسنده عن موسى عن محمد بن عمر وابن علقمة عن الزهي فقال : لحم حمار، وأخرج الطبراني الزهري فقال : رجل حمار وحش، وفي رواية عند مسلم عجز حمار وحش تقطر دما، وفي رواية عند مسلم عجز حمار وحش تقطر دما، وفي رواية عند مسلم رجل حمار وحش، وأخرج مسلم من طريق حبيب بن أبي ثابت عن سعيد فقال : تارة حمار وحش وتارة شق حمار وحش واتفقت الروايات كلها على أنه رده إلا ما رواه وهب والبيهقي من طريقه بإسناده حسن من طريق عمر وبن أمية أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أهدي له عجز حمار وحش وهو بالجحفة فأكل منه وأكل القوم، والجمع بينهما بالحمل على قصتين أولى لأن القصة مروية والأبواء ثلاثة وعشرون ميلا وبين جحفة وودان ثمانية أميال، وفي الباب حديث علي قال :( انشد من كان هاهنا من أشجع أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أهدي إليه عضو صيد فلم يقبله ؟ قال أنا حرم ؟ قال : نعم ) ٢ رواه أبو داود والطحاوي، وروى، مسلم نحوه لكن أجمع المسلمون بعد القرن الأول أن ما صاده الحلال لأجل نفسه يحل للمحرمين كله، وقد صح الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أكل من لحم الصيد وأمر أصحابه بأكله : منها حديث أبي قتادة قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :( كلوا ما بقي من لحمها ) وفي بعض الروايات الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أكلها ومنها ] ما ذكرنا من حديث الصعب بن جثامة أنه وقع في بعض رواياته أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل منها، ومنها ما رواه مسلم عن معاد بن عبد الرحمن بن عثمان التيمي عن بيه قال :( كنا مع طلحة بن عبد الله ونحن حرم فأهدي له طير وطلحة راقد فمنا من أكل ومنا من تورع فلما استيقظ طلحة وافق من أكله وقال : أكلناه مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ) ٣ ومنها حديث عمرو بن سلمة الضميري عن البهزي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج يريد مكة وهو محرم حتى إذا كان بالروحا إذا حمار وحشي عقير فقال : رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :( دعوه فإنه يوشك أن يأتي صاحبه ) فجاء البهزي وهو صاحبه فقال : يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :( شأنكم بهذا الحمار ) فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبا بكر فقسمه بين الرفاق ٤ الحديث رواه مالك وأصحاب السنن، وصححه ابن خزيمة فتفسير الآية وحرم عليكم صيد البر أي اصطياده.
مسألة : ما اصطاد الحلال لأجل المحرم اختلف فيه ؟ فقال : أبو حنيفة يحل أكله مطلقا يحل لمن صيد لأجله أيضا، وقال : مالك لا يحل أكله لا للحلال ولا للحوم، وقال : الشافعي وأحمد ما صيد لأجل المحرم قبل إحرامه أو بعده يحرم على ذلك المحرم أكله ولا يحرم أكله لغير المحرم ولا لمن لم يصد له من المحرمين ومذهب الشافعي وأحمد مروي عن عثمان، روى مالك في الموطأ عن عبد الله بن أبي بكر عن عبد الله بن عامر قال : رأيت عثمان بن عفان بالعرج وهو محرم في صائف قد غطى وجهه بقطيفة ثم أتى بلحم صيد فقال : لأصحابه : كلوا، فقالوا : ، لا تأكل أنت ؟ قال : لست كهيئتهم إنما صيد من أجلي، وما روى النبي صلى الله عليه وسلم أنه أكل من لحم الصيد، وروى أنه رده ولم يأكله، قال : الأئمة الثلاثة وجه الجمع بين الرواتين أنه أكل ما صاده الحلال لأجل نفسه ولم يأكل ما صاد لأجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لغيره من المحرمين، قلنا لا دليل في شيء من الأحاديث المذكورة على هذا التفصيل، ووجه الجمع عندي أن أكل لحم الصيد مطلقا إذا صاده الحلال مباح للمحرم لكن تركه أفضل فبالأكل تارة علم النبي صلى الله عليه وسلم الجواز وبترك الأكل منه أخرى نبه على الاستحباب. فإن قيل : إذا تعارض الأحاديث ولا ترجيح كان القياس الأخذ بالمحرم احتياطا ؟ قلنا : نعم لكنا إنما لم نقل هكذا حتى لا يلزمنا مخالفة الإجماع، فإنهم أجمعوا على أن أكل بعض الصيد للمحرم حلال. احتج الأئمة الثلاثة على حرمة ما صيد لأجل المحرم بحديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( صيد البر لكم حلال وأنتم حرم ما لم تصيدوا أو يصاد لكم )٥ أخرجه الترمذي والنسائي وابن خزيمة وأحمد نحوه، قال : مالك سوى النبي صلى الله عليه وسلم بين المحرم بنفسه فهو حرام على جميع الناس كالميتة، وقال : الشافعي وأحمد : إن انقسام الآحاد على الآحاد يقتضي أن كل محرم يحرم عليه ما صاده وما صيد له وأما صاده محرم غيره أو حلال أوصيد لغيره من محرم أو حلال فلا يثبت من هذا الحديث فيه شيء وإنما يعرف حكمه من خارج، وقلنا : هذا الحديث لا يصلح للاحتجاج فإن مداره على عمرو بن أبي عمرو، فرواه أحمد عنه عن رجل من الأنصار عن جابر ورواه الترمذي وغيره عنه عن المطلب عن جابر، ففي رواية أحمد راوي عن جابر مجهول، وفي رواية الترمذي قال : الترمذي لا يعرف للمطلب سماع من جابر ثم عمرو بن أبي عمرو وهو مولى المطلب قال : يحيى بن معين لا يحتج بحديثه، وقال : مرة هو وأبو داود أنه ليس بالقوى لكن قال : أحمد ما به بأس، ثم هو استدلال بمفهوم الغاية والاستدلال بالمفهوم لا يجوز عندنا، وقد يحتجون بحديث أبي قتادة قال :( خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية فأحرم أصحابي ولم أحرم فرأيت حمار فحملت عليه فاصطدته فذكرت شأنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وذكرت أني لم أكن أحرمت وأني إنما اصطدته لك فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه فأكلوا ولم يأكل منه حين أخبرته أني اصطدته لك ) أخرجه إسحاق : وابن خزيمة والدارقطني والجواب أنه قال : ابن خزيمة وأبو بكر النيسابور والدارقطني أنه تفرد بهذه الزيارة معمر ولا أعلم أحدا ذكر قوله اصطدته لك، وقوله ولم يأكل منه غيره فلعل هذا من أوهامه قال : الذهبي معمر بن راشد له أوهام، قلت : وقد ورد في الروايات المتفقة على صحتها أن النبي صلى الله عليه وسلم أكلها وما استدلوا برواية معمر حجة على مالك لا له حيث قال : فأمر أصحابه فأكلوا فإن مالكا يجعل ما صيد لأجل المحرم حراما على الناس واتقوا الله الذي إليه تحشرون .
٢ أخرجه النسائي في كتاب: مناسك الحج، باب: ما لا يجوز للمحرم أكله من الصيد (٢٨١١)..
٣ أخرجه مسلم في كتاب: الحج، باب: تحريم الصيد المحرم (١١٩٧)..
٤ أخرجه النسائي في كتاب: مناسك الحج، باب: ما يجوز للمحرم أكله من الصيد (٢٨٠٨)..
٥ أخرجه الترمذي في كتاب: الحج، باب: ما جاء في أكل الصيد للمحرم(٨٤١)وأخرجه أبو داود في كتاب: المناسك، باب: لحم الصيد للمحرم(١٨٥٠)وأخرجه النسائي في كتاب: مناسك الحج، باب: إذا أشار المحرم إلى الصيد فقتله الجحلال(٢٨١٨)..
التفسير المظهري
المظهري