ﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾ

قوله تعالى : بَلْ كَذَّبُواْ هذا إضراب ثانٍ، قال الزمخشري : إضراب أتبع للإضراب الأول للدلالة على أنهم جاؤوا بما هو أفظع من تعجبهم وهو التكذيب بالحق١. وقال أبو حيان : وكان هذا الإضراب الثاني بدلاً من الأوّل٢. قال شهاب الدين : وإطلاق مثل هذا في كتاب الله لا يجوز ألبتة. وقيل : قبل هذه الآية جملة مضرب عنها تقديرها : ما أجازُوا النظر بَلْ كَذَّبوا٣. وما قاله الزمخشري أحسَنُ.

فصل


في المضروب عنه وجهان :
أحدهما : أنه الشكّ تقديره : والقرآن المجيد إنَّك لَمُنْذرٌ، وإنهم شكوا فيك بل عجبوا بل كذبوا.
والثاني : تقديره : لم يكذب المنذر بل كذبوا هم٤.
وفي المراد بالحق وجوه :
الأول : البرهان القائم على صدق الرسول - ( عليه الصلاة والسلام - )٥.
الثاني : الفرقان المنزلُ وهو قريب من الأول ؛ لأنه برهانٌ.
الثالث : السورة الثابتة بالمعجوة القاهرة فإِنَّها حَقٌّ.
الرابع : الحشر الذي لا بد من وقوعه فهو حق.
فإن قيل : ما معنى الباء في قوله تعالى :( بالحَقِّ ) ؟ وأيةُ حاجة إليها ؟ يعني أن التكذيبَ متعدٍّ بنفسه فهلْ هي التعدية إلى مفعول ثانٍ أو هي زائدة كما هي قوله تعالى : فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ بِأَيِّكُمُ المفتون [ القلم : ٥ و٦ ].
فالجواب : أنها في هذا الموضع لإظهار التعدية ؛ لأن التكذيب ( هو النسبة إلى٦ الكذب ) لكن النسبة توجد تارة في القائلِ وأخرى في القول، تقول : كَذَّبَنِي فلانٌ وكنت صادقاً ويقول : كَذَّبَ فلانٌ قَوْلِي٧، ويقال : كَذَّبَه أي جعله كاذباً وتقول : قلتُ لفلان : زيدٌ يجيء غداً، فتأخر عمداً حتى كَذَّبَنِي أو٨ كذب قولي. والتكذيب في القائل يستعمل بالباء وبدونها قال تعالى : كَذَّبَتْ ثَمُودُ المرسلين [ الشعراء : ١٤١ ] وقال كَذَّبَتْ ثَمُودُ بالنذر [ القمر : ٢٣ ] وفي القول كذلك غيرَ أن الاستعمال في القائل بدون الباء أكثر قال تعالى : فَكَذَّبُوهُ [ الأعراف : ٦٤ ] وقال : وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ [ فاطر : ٤ ]. وفي القول الاستعمال بالباء أكثر قال تعالى : كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا [ القمر : ٤٢ ] وقال : كَذَّبُواْ بالحق [ ق : ٥ ]. وقال : وَكَذَّبَ بالصدق [ الزمر : ٣٢ ].
والتحقيق فيه أن الفعل المطلق هو المصدر، لأنه هو الذي يصدر من الفاعل، فإن من ضَرَبَ لم يصدر منه غير الضَّرب، غير أن له محلاً يقع فيه يسمى مضروباً. ثم إن كان ظاهراً لكونه محلاً للفعل يستغني بظهوره عن الحرف فيعدى من غير حرف يقال : ضَرَبْتُ عمراً وشَرِبْتُ مَاءً للعلم بأن الضرب لا بدَّ له من محِل يقوم به وكذلك الشرب لا يستغني عن مشروب يتحقق٩ فيه ؛ فإذا قلت : مَرَرْتُ يحتاج إلى الحرف ليظهر معنى التعدية، لعدم ظهوره في نفسه ؛ لأن قولك : مَرَّ السَّحَاب يفهم١٠ منه مُرُور، ( و١١ ) لا يفهم مَنْ مَرَّ به.
ثم إن الفعل قد يكون في الظهور دون الضَّرْبِ والشُّرب وفي الخفاء فوق المرور، فيجوز الإتيان فيه بدون الحرف للظهور الذي فوق ظهور المرور، ومع الحرف لكون الظهور دون ظهور الضرب، ولهذا لا يجوز أن تقول : ضَرَبْتُ بعَمْروٍ إلا إذا جعلته آلة الضرب، أما إذا ضربته بسوطٍ١٢ أو غيره فَلاَ يجوز فيه زيادة الباء، ولا يجوز : مَرَرْتُهُ١٣ إلا مع الاشتراك وتقول : مَسَحْتُهُ ومسحتُ به، وشَكَرْتُهُ وَشَكَرْتُ لَهُ لأن المسحَ إمرار اليد بالشيء فصار كالمُرور والشكر فعل جميل غير أنه يقع لمحسن١٤ فالأصل في الشكر الفعل الجميل وكونه واقعاً لغيره كالتَّبَع١٥ بخلاف الضرب فإنه إمساسُ جسمٍ بجسم بعنف، فالمضروب داخل في مفهوم الضَّرْب أولاً، والمشكور داخل في مفهوم الشكر ثانياً، وإذا عرف هذا فالتكذيب في القائل طاهر، لأنه هو الذي يصدق أو يكذب وفي القول غير ظاهر، فكان الاستعمال فيه بالباء أكثر والباء فيه لظهور معنى التعدية، وقوله :«لما جاءهم » هو المكذب تقديره : وكَذَّبوا بالحق لما جاءهم الحَقُّ أي لم يؤخروه إلى التفَكر والتدبر١٦.
قوله : لَمَّا جَاءَهُمْ العامة على تشديد «لما »، وهي إما حرف وجوب لوجوب١٧ أو ظرف بمعنى حين١٨ كما تقدم. وقرأ الجَحْدريّ لِمَا - بكسر اللام وتخفيف الميم - على أنها لام الجر دخلت على ما المصدرية وهي نظير قولهم : كَتَبْتُهُ لخمسٍ خَلَوْنَ أي عندها١٩.
قوله : فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ، أي مختلط، قال أبو واقد :
ومَرِجَ الدِّينُ فَأعْدَدْتُ لَهُ مُشْرِفَ الأَقْطَارِ مَحْبُوكَ الكَتَدْ٢٠
وقال آخر :
فَجَالَتْ والتَمَسْتُ به حَشَاهَا فَخَرَّ كَأَنَّهُ خُوطٌ مَرِيجُ٢١
وأصله من الحركة والاضطراب، ومنه : مرج الخاتم في إصبعه وقال سعيد بن جبير ومجاهد : ملتبس.

فصل


قال قتادة : معناه من ترك الحق مرج إليه أمره وألبس عليه دينه. وقال الحسن : ما ترك قومٌ الحقّ إلا مَرج أمرُهُمْ. وقال الزجاج : معنى اختلاط أمرهم أنهم يقولون للنبي - صلى الله عليه وسلم - مرة شاعرٌ، ومرة ساحرٌ، ومرة معلّمٌ، ومرة كاهنٌ، ومرة معترّ٢٢ ومرة ينسبونه إلى الجنون فكان أمرهم مُخْتَلِطاً ملتبساً عليهم.
١ الذي هو النبوة الثابتة بالمعجزات في أول وهلة من غير تفكر ولا تدبر. وانظر كشافه ٤/٤..
٢ قال: وكلاهما بعد ذلك الجواب الذي قدرناه جوابا للقسم البحر ٨/١٢١..
٣ ذكره أبو حيان في مرجعه السابق..
٤ ذكر الرازي الوجه في تفسيره ٢٨/١٥٢ و١٥٣.
٥ زيادة من الأصل ما بين القوسين..
٦ ما بين القوسين سقط من نسخة (ب)..
٧ في الرازي: قول فلان..
٨ وفيه: "وكذب" بالواو لا أو..
٩ في (ب) متحقق بالاسمية..
١٠ في (ب) معهم. تحريف..
١١ الواو ساقطة من (ب)..
١٢ في (ب) الصوت تحريف..
١٣ كذا في النسختين وفي الرازي: مروا به بواو الجماعة..
١٤ في الرازي: بمحسن..
١٥ وفيه: بغيره كالبيع وهو تحريف فالمقصود ما كتبه الناسخُ..
١٦ وانظر في هذا كله تفسير أستاذنا الإمام الفخر الرازي ٢٨/١٥٣ و١٤٥..
١٧ هذا قول البعض وقال ابن هشام في المغني: حرف وجود لوجود..
١٨ وهو رأي ابن السراج والفارسي وابن جني وجماعة، وقال ابن مالك: بمعنى إذ وهو حسن لأنها مختصة بالماضي وبالإضافة إلى الجملة وانظر المغني ٢٨٠ والتسهيل ٩٢، و٩٣ والهمع ١/٢١٥..
١٩ وقال أبو الفتح: بمعنى: "لما جاءهم" أي مجيئه إياهم كقولك: أعطيته ما سأل لطلبه أي: عند طلبه ومع طلبه. وانظر المحتسب ٢/٢١٢..
٢٠ البيت من الرمل وهو لأبي دؤاد يصف فرسا والبيت رواية البحر وفي اللسان: الدّهر: ويروى الحارك بدل الأقطار وهو أعلى الكاهل والمحبوك المحكم الخلق، والكَتَد: مجتمع الكتفين والمراد أن فيه استواء مع ارتفاع. وانظر البيت في اللسان "حبك" ٧٥٨ والبحر ٨/١٢١ والقرطبي ١٧/٥..
٢١ من الوافر لعمرو بن الداخل الهذلي وشاهده هو وما قبله في المرج بمعنى الخلط، ورواية البيت كالتهذيب للأزهري وفي اللسان: غصن مريع أي غصن له شُعَب قِصار قد التبست. وانظر التهذيب واللسان "مرج" والطبري ٢٦/٧٧٦ والدر المنثور ٧/٥٩٠ ومجمع البيان ٩/٢١١ والبحر ٨/١٢١ والقرطبي ٥/١٧ وديوان الهذليين ٣/٩٨..
٢٢ في (ب) مفتر..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية