ﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠ

قَوْله تَعَالَى: الَّذين يجتنبون كَبَائِر الْإِثْم وَالْفَوَاحِش وَقُرِئَ: " كَبِير الْإِثْم " وَقد بَينا معنى الْكَبَائِر من قبل. وَقيل: إِنَّه كل مَا أوعد الله عَلَيْهِ بالنَّار. وَالْفَوَاحِش: الْمعاصِي.
وَقَوله: إِلَّا اللمم قَالَ ابْن عَبَّاس وَغَيره: وَهُوَ أَن يلم بالذنب ثمَّ يَتُوب مِنْهُ. أَي: يفعل ذَلِك مرّة وَلَا يصر عَلَيْهِ. وَعنهُ أَيْضا أَنه قَالَ: مَا رَأَيْت شَيْئا أشبه باللمم مِمَّا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة أَن النَّبِي قَالَ: " إِن الله تَعَالَى كتب على ابْن آدم حَظه من الزِّنَا أدْرك ذَلِك لَا محَالة، فزنا الْعين النّظر، وزنا الْيَد اللَّمْس، وَالنَّفس تمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذَلِك أويكذبه ". وَهُوَ حَدِيث صَحِيح.

صفحة رقم 297

سَبيله وَهُوَ أعلم بِمن اهْتَدَى (٣٠) وَللَّه مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْض ليجزي الَّذين أساؤوا بِمَا عمِلُوا وَيجْزِي الَّذين أَحْسنُوا بِالْحُسْنَى (٣١) الَّذين يجتنبون كَبَائِر الْإِثْم وَالْفَوَاحِش إِلَّا اللمم إِن رَبك وَاسع الْمَغْفِرَة هُوَ أعلم بكم إِذا أنشأكم من الأَرْض وَإِذ
فعلى هَذَا القَوْل: اللمم هُوَ النّظر واللمس وَمَا يشبه ذَلِك. وَفِيه حَدِيث نَبهَان التمار الَّذِي ذكرنَا فِي سُورَة هود.
وَفِي الْآيَة قَول ثَالِث: أَن اللمم هُوَ الصَّغَائِر. وَفِيه قَول رَابِع: أَن اللمم هُوَ مَا فعله الْمُسلمُونَ فِي الْجَاهِلِيَّة قبل إسْلَامهمْ، فَلَمَّا أَسْلمُوا وَقع الْعَفو عَنْهَا.
وَقيل: إِن اللمم هُوَ النّظر فَجْأَة، ثمَّ يغض بَصَره فِي الْحَال. وَعَن بَعضهم:

(إِن تغْفر اللَّهُمَّ فَاغْفِر جما فَأَي عبد لَك لَا ألما.)
وَقد روى بَعضهم هَذَا مُسْندًا إِلَى النَّبِي وَأما معنى " إِلَّا " فِي الْآيَة، فَقَالَ بَعضهم: هُوَ مُنْقَطع، فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَكِن اللمم. وَمِنْهُم من قَالَ: الِاسْتِثْنَاء على حَقِيقَته، واللمم: فواحش إِلَّا أَن الله تَعَالَى يعْفُو عَنْهَا بمشيئته.
وَقَوله: إِن رَبك وَاسع الْمَغْفِرَة أَي: كثير الْمَغْفِرَة.
وَقَوله: هُوَ أعلم بكم إِذْ أنشأكم من الأَرْض مَعْنَاهُ: هُوَ ابْتِدَاء خَلقكُم من تُرَاب ثمَّ من نُطْفَة.
وَقَوله تَعَالَى: وَإِذ أَنْتُم أجنة فِي بطُون أُمَّهَاتكُم يَعْنِي: أَنه كَانَ عَالما بأحوالكم وَأَنْتُم أجنة فِي بطُون الْأُمَّهَات جاهلون بأحوالكم.
وَقَوله: فَلَا تزكوا أَنفسكُم أَي: لَا تمدحوا أَنفسكُم.
وَقَوله: هُوَ أعلم بِمن اتَّقى أَي: هُوَ أعلم بالمتقين. وَعَن عَطاء بن أبي رَبَاح: أَن اللمم أَن يعزم على الذَّنب ثمَّ لَا يفعل. ذكره الْقفال الشَّاشِي فِي تَفْسِيره. وَحكي عَن أبي هُرَيْرَة أَنه قَالَ: اللمم: الغمزة والقبلة.

صفحة رقم 298

أَنْتُم أجنة فِي بطُون أُمَّهَاتكُم فَلَا تزكوا أَنفسكُم هُوَ أعلم بِمن اتَّقى (٣٢) أَفَرَأَيْت الَّذِي
وَأما قَوْله: فَلَا تزكوا أَنفسكُم قد بَينا. وَفِي تَفْسِير النقاش: أَن الرجل من الْيَهُود كَانَ إِذا مَاتَ لَهُ طِفْل يَقُول: هُوَ صديق، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة ردا عَلَيْهِم. وَيُقَال: إِن الْآيَة فِي الرجل يخبر بصومه وَصلَاته وَفعله الْخَيْر بَين النَّاس، وَقد كَانَ مِنْهُم من يَقُول كَذَلِك فعلنَا كَذَا، وصنعنا كَذَا، فنهاهم الله تَعَالَى عَن ذَلِك. وَاعْلَم أَن مدح الرجل نَفسه مَكْرُوه، وَكَذَلِكَ مدح الرجل غَيره فِي وَجهه.
وَفِي الْخَبَر الْمَعْرُوف: أَن رجلا مدح رجلا عِنْد النَّبِي فَقَالَ: " وَيلك قطعت عنق أَخِيك فَإِن كنت قَائِلا شَيْئا، فَقل: أَحسب فلَانا كَذَا، وَلَا أزكى على الله أحدا ".
وَفِي خبر آخر " احثوا التُّرَاب فِي وُجُوه المداحين "، رَوَاهُ الْمِقْدَاد عَن النَّبِي.
وَقَوله: هُوَ أعلم بِمن اتَّقى قد بَينا.

صفحة رقم 299

تفسير السمعاني

عرض الكتاب
المؤلف

أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار المروزي السمعاني الشافعي

تحقيق

ياسر بن إبراهيم

الناشر دار الوطن، الرياض - السعودية
سنة النشر 1418 - 1997
الطبعة الأولى، 1418ه- 1997م
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية