ﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠ

ثم وصف هؤلاء المحسنين، فقال : الذين يَجْتَنِبُونَ كبائر الإثم والفواحش فهذا الموصول في محل نصب على أنه نعت للموصول الأوّل في قوله : الذين أَحْسَنُواْ وقيل : بدل منه، وقيل : بيان له، وقيل : منصوب على المدح بإضمار أعني، أو في محل رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف : أي هم الذين يجتنبون كبائر الإثم. قرأ الجمهور كبائر على الجمع. وقرأ حمزة والكسائي والأعمش ويحيى بن وثاب : كَبِير على الإفراد، والكبائر : كل ذنب توعد الله عليه بالنار، أو ذمّ فاعله ذماً شديداً، ولأهل العلم في تحقيق الكبائر كلام طويل. وكما اختلفوا في تحقيق معناها وماهيتها اختلفوا في عددها، والفواحش جمع فاحشة : وهي ما فحش من كبائر الذنوب كالزنا ونحوه. وقال مقاتل : كبائر الإثم كل ذنب ختم بالنار، والفواحش : كل ذنب فيه الحد. وقيل : الكبائر : الشرك، والفواحش : الزنا، وقد قدّمنا في سورة النساء ما هو أبسط من هذا وأكثر فائدة، والاستثناء بقوله : إِلاَّ اللمم منقطع، وأصل اللمم في اللغة : ما قلّ وصغر، ومنه : ألمّ بالمكان : قلّ لبثه فيه، وألمّ بالطعام : قل أكله منه. قال المبرد : أصل اللمم أن تلمّ بالشيء من غير أن تركبه، يقال : ألم بكذا : إذا قاربه ولم يخالطه.
قال الأزهري : العرب تستعمل الإلمام في معنى الدنوّ والقرب، ومنه قول جرير :

بنفسي من تجنبه عزيز عليّ ومن زيارته لمام
وقول الآخر :
متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا تجد حطباً جزلاً وناراً تأججاً
قال الزجاج : أصل اللمم والإلمام : ما يعمله الإنسان المرّة بعد المرّة ولا يتعمق فيه ولا يقيم عليه، يقال : ألممت به : إذا زرته وانصرفت عنه، ويقال : ما فعلته إلاّ لماماً وإلماماً : أي الحين بعد الحين، ومنه إلمام الخيال. قال الأعشى :
ألمّ خيال من قبيلة بعد ما وهَى حبلها من حبلنا فتصرّما
قال في الصحاح : ألمّ الرجل من ألمم وهو صغائر الذنوب، ويقال : هو مقاربة المعصية من غير مواقعة، وأنشد غيره :
بزينب ألمم قبل أن يرحل الركب وقلّ أن تملينا فما ملك القلب
وقد اختلفت أقوال أهل العلم في تفسير هذا اللمم المذكور في الآية، فالجمهور على أنه صغائر الذنوب، وقيل : هو ما كان دون الزنا من القبلة والغمزة والنظرة، وقيل : هو الرجل يلم بذنب ثم يتوب، وبه قال مجاهد والحسن والزهري وغيرهم، ومنه :
إن تغفر اللَّهم تغفر جمّا وأيّ عبد لك إلاّ ألمّا
اختار هذا القول الزجاج والنحاس، وقيل : هو ذنوب الجاهلية، فإن الله لا يؤاخذ بها في الإسلام، وقال نفطويه : هو أن يأتي بذنب لم يكن له بعادة. قال : والعرب تقول : ما تأتينا إلاّ إلماماً : أي في الحين بعد الحين. قال : ولا يكون أن يلمّ ولا يفعل، لأن العرب لا تقول : ألمّ بنا إلاّ إذا فعل، لا إذا همّ ولم يفعل، والراجح الأول، وجملة : إِنَّ رَبَّكَ واسع المغفرة تعليل لما تضمنه الاستثناء : أي إن ذلك وإن خرج عن حكم المؤاخذة فليس يخلو عن كونه ذنباً يفتقر إلى مغفرة الله، ويحتاج إلى رحمته، وقيل : إنه سبحانه يغفر لمن تاب عن ذنبه. ثم ذكر سبحانه إحاطة علمه بأحوال عباده، فقال : هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مّنَ الأرض أي خلقكم منها في ضمن خلق أبيكم آدم. وقيل : المراد آدم، فإنه خلقه من طين وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ أي هو أعلم بأحوالكم وقت كونكم أجنة، والأجنة جمع جنين وهو الولد ما دام في البطن سمي بذلك لاجتنانه : أي استتاره، ولهذا قال : فِي بُطُونِ أمهاتكم فلا يسمى من خرج عن البطن جنيناً، والجملة مستأنفة لتقرير ما قبلها فَلاَ تُزَكُّواْ أَنفُسَكُمْ أي لا تمدحوها ولا تبرؤوها عن الآثام ولا تثنوا عليها، فإن ترك تزكية النفس أبعد من الرياء وأقرب إلى الخشوع، وجملة هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى : مستأنفة مقررة للنهي : أي هو أعلم بمن اتقى عقوبة الله وأخلص العمل له.
قال الحسن : وقد علم سبحانه من كل نفس ما هي عاملة وما هي صانعة وإلى ما هي صائرة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله : الذين يَجْتَنِبُونَ كبائر الإثم والفواحش قال : الكبائر : ما سمى الله فيه النار، والفواحش : ما كان فيه حدّ الدنيا. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عباس قال : ما رأيت شيئًا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال :«إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدّق ذلك أو يكذبه» وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود في قوله : إِلاَّ اللمم قال : زنا العينين : النظر، وزنا الشفتين : التقبيل، وزنا اليدين : البطش، وزنا الرجلين : المشي، ويصدّق ذلك الفرج أو يكذبه، فإن تقدم بفرجه كان زانياً وإلاّ فهو اللمم. وأخرج مسدد، وابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي هريرة أنه سئل عن قوله : إِلاَّ اللمم قال : هي : النظرة والغمزة والقبلة والمباشرة، فإذا مسّ الختان الختان فقد وجب الغسل، وهو الزنا. وأخرج سعيد بن منصور والترمذي وصححه والبزار وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن ابن عباس قال في قوله : إِلاَّ اللمم هو : الرجل يلم بالفاحشة ثم يتوب منها. قال : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
إن تغفر اللَّهم تغفر جمّا وأيّ عبد لك لا ألمّا
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله : إلا اللمم يقول : إلاّ ما قد سلف.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة في قوله : إِلاَّ اللمم قال : اللمة من الزنا ثم يتوب ولا يعود، واللمة من شرب الخمر ثم يتوب ولا يعود، فذلك الإلمام. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن ابن عباس قال : اللمم كل شيء بين الحدّين حدّ الدنيا وحدّ الآخرة يكفره الصلاة، وهو دون كلّ موجب، فأما حدّ الدنيا، فكلّ حدّ فرض الله عقوبته في الدنيا، وأما حدّ الآخرة، فكلّ شيء ختمه الله بالنار، وأخر عقوبته إلى الآخرة. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في المعرفة عن ثابت بن الحارث الأنصاري قال : كانت اليهود إذا هلك لهم صبيّ صغير قالوا : هو صدّيق، فبلغ ذلك النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال :«كذبت يهود ما من نسمة يخلقها في بطن أمها إلاّ أنه شقيّ أو سعيد»، فأنزل الله عند ذلك هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مّنَ الأرض الآية كلها. وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود عن زينب بنت أبي سلمة أنها سميت برّة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«لا تزكوا أنفسكم الله أعلم بأهل البرّ منكم، سموها زينب». وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله : وأعطى قَلِيلاً وأكدى قال : قطع، نزلت في العاص بن وائل. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه قال : أطاع قليلاً ثم انقطع. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والشيرازي في الألقاب والديلمي قال السيوطي : بسند ضعيف عن أبي أمامة عن النبيّ قال :«أتدرون ما قوله : وإبراهيم الذي وفّى ؟» قالوا : الله ورسوله أعلم، قال :«وفّى عمل يومه بأربع ركعات كان يصليهنّ، وزعم أنها صلاة الضحى»، وفي إسناده جعفر بن الزبير، وهو ضعيف. وأخرج الحاكم وصححه، وابن مردويه عن ابن عباس قال : سهام الإسلام ثلاثون سهماً لم يتممها أحد قبل إبراهيم عليه السلام قال الله : وإبراهيم الذي وفّى . وأخرج ابن جرير عنه في الآية قال : يقول إبراهيم الذي استكمل الطاعة فيما فعل بابنه حين رأى الرؤيا، والذي في صحف موسى، أَلاَّ تَزِرُ وازرة وِزْرَ أخرى إلى آخر الآية. وأخرج ابن أبي حاتم عن سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :«ألا أخبركم لم سمى الله إبراهيم خليله الذي وفّى ؟ إنه كان يقول كلما أصبح وأمسى : فَسُبْحَانَ الله حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ إلى آخر الآية [ الروم : ١٧ ]»، وفي إسناده ابن لهيعة. وأخرج عبد بن حميد والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس. قال : لما نزلت : والنجم فبلغ : وإبراهيم الذي وفّى قال : وفّى أَلاَّ تَزِرُ وازرة وِزْرَ أخرى إلى قوله : مّنَ النذر الأولى .
وأخرج أبو داود والنحاس كلاهما في الناسخ، وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عنه قال : وَأَن لَّيْسَ للإنسان إِلاَّ مَا سعى فأنزل الله بعد ذلك : والذين ءامَنُواْ واتبعتهم ذُرّيَّتُهُم بإيمان أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرّيَّتَهُمْ [ الطور : ٢١ ]، فأدخل الله الأبناء الجنة بصلاح الآباء. وأخرج ابن مردويه عنه أيضاً قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ : وَأَن لَّيْسَ للإنسان إِلاَّ مَا سعى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يرى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الجزاء الأوفى استرجع واستكان. وأخرج الدارقطني في الأفراد، والبغوي في تفسيره عن أبيّ بن كعب عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله : وَأَنَّ إلى رَبّكَ المنتهى قال :«لا فكرة في الرب».

فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية