ﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠ

وزاد في بطلان شفاعة الأصنام لهم يوم القيامة فقال: وكثير من الملائكة، في السموات لا تغنى شفاعتهم ولا تنفع إلا بعد إذن الله لمن يشاء، والله لا يأذن إلا للمقربين من خلقه، فكيف تشفع الأصنام إن هؤلاء الناس الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ليسمون الملائكة تسمية الأنثى بقولهم: إن الملائكة بنات الله فجعلوهم إناثا، وسموهم بنات ومن أين لهم هذا؟ أعندهم علم بذلك؟ أم لهم كتاب يدرسون فيه هذا، بل هم لا علم لهم أبدا، وما يتبعون إلا الظن الذي لا يبنى على أساس بل على مجرد الوهم، ولا شك أن هذا الظن في مثل هذه المسائل لا يغنى من الحق شيئا من الإغناء، وإذا كان الأمر كذلك فأعرض عمن أعرض عن ذكرنا، ولم يستمع لكلامنا، أعرض عن هؤلاء، ولا تأبه بهم، ولا تجادلهم، فهؤلاء قصروا نظرهم على الدنيا، ولم يفكروا فيما بعد الموت، فشغلتهم الدنيا عن الآخرة، ذلك»
- والإشارة إلى التولي عن الآخرة وقصر النظر على الدنيا- مبلغهم من العلم، فأعرض عن هؤلاء لأن الله أعلم بمن ضل عن سبيله، وركب رأسه وهو أعلم بمن اهتدى، وسيجازى كلا على عمله وها هي ذي آثار قدرته الكاملة وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ له كل ذلك ملكا وخلقا وعبيدا وتصريفا، وسيجازى الذين أساءوا بعملهم، والذين أحسنوا بالمثوبة الحسنى، وتلك عاقبة أمر الخلق الذين فيهم المحسن والمسيء.
من هم المحسنون [سورة النجم (٥٣) : آية ٣٢]
الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى (٣٢)

(١) - والجملة مسوقة لتقرير جهلهم واتباعهم الظن فهي مستأنفة، وقيل: معترضة بين العلة والمعلل، أى: بين الأمر بالأعراض وعلته.

صفحة رقم 560

المفردات:
كَبائِرَ الْإِثْمِ: جمع كبيرة، وهي كل ذنب توعد الله صاحبه بالعذاب الشديد، أو ذم فاعله ذما كثيرا، وقيل غير ذلك. وَالْفَواحِشَ: جمع فاحشة، وهي الذنب الذي جعل الله في عقوبته الحد كالزنا مثلا، وقيل غير ذلك مما هو قريب منه. إِلَّا اللَّمَمَ وأصل اللمم: ما قل وصغر، وعليه ألم بالمكان: قل لبثه فيه، والمراد باللمم هنا: صغائر الذنوب التي تفعل بلا مداومة عليها. أَجِنَّةٌ: جمع جنين وهو الولد ما دام في بطن أمه سمى بذلك لاجتنانه، أى: استتاره.
المعنى:
المحسنون الذين لهم المثوبة الحسنى هم الذين يجتنبون كبائر الإثم، ويجتنبون الفواحش والمنكرات التي ينكرها العقل ويأباها الدين، من الموبقات والمهلكات التي ورد من الشرع تحذير شديد على اجتنابها، أو توعد صاحبها بالحد أو بالعقاب الشديد، وقد اختلف العلماء في عد المنكرات والفواحش، وذكرت في السنة بطرق مختلفة، وعلى العموم فالشرك بالله، والقتل إلا بحق الإسلام، والزنى والربا وعقوق الوالدين، وشهادة الزور، والافتراء على الله من الكبائر، وهكذا كل معصية ذنبها كبير وجرمها خطير.
الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم، وهو صغائر الذنوب التي تعمل بلا قصد ولا مداومة، أما إذا داومت على الذنب الصغير أصبح كبيرا فقد قيل:
لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الندم والاستغفار.
وهذا اللمم ذنب بلا شك، خففه الندم وعدم معاودته، عند ذلك تدخل المغفرة والرحمة، وربك واسع المغفرة كثير الرحمة، وهو أعلم بنا- نحن بنى الإنسان- وقد خلقنا ضعافا أمام الدنيا ومغرياتها، وقد خلقنا فهو أعلم بنا، وقد أنشأنا من الأرض، وهو أعلم بنا إذ نحن أجنة في بطون الأمهات، بل وذرات في أصلاب الآباء، وفي عالم الذر، وإذا كان الأمر كذلك فلا تزكوا أنفسكم أبدا، هو أعلم بمن اتقى، فرب من يظن نفسه قد عمل صالحا يكون عمله مشوبا بالرياء أو السمعة أو الغرض الدنيوي فيبوء بالفشل والندامة، والله أعلم بمن اتقى حقا.

صفحة رقم 561

التفسير الواضح

عرض الكتاب
المؤلف

محمد محمود حجازي

الناشر دار الجيل الجديد
سنة النشر 1413
الطبعة العاشرة
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية