ﮥﮦﮧﮨ

قال أبو إسحق: ما غطى جمَّارهما من السعف والليف فهو من أكمام النخلة (١).
والمفسرون على أن الأكمام أوعية الثمر كما ذكرنا، قال الليث: ولكل شجرة مثمرة كم، وهو برعومه (٢).
قوله: وَالْحَبُّ قال عطاء: يريد القمح (٣)، وقال مقاتل والضحاك: يعني الشعير والحنطة (٤)، وقال الكلبي: هو الحبوب كلها مما يحرث في الأرض من الحنطة والشعير وغير ذلك (٥).
والوجه الرفع في قوله:
١٢ - وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ نسقًا على قوله: فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ وقرأ ابن عامر والحب ذا العصف نصبًا (٦)، حمله على قوله وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا مثل خلقها للأنام، وخلق الحب ذا العصف.
واختلفوا في تفسير العصف، فقال الليث: العصف ما على حب الحنطة ونحوها من قشور التبن، قال: والعصف أيضًا ما على ساق الزرع من الورق الذي يبس فيتفتت، كل ذلك من العصف (٧).

(١) انظر: "معاني القرآن" ٥/ ٩٧، والجُمَّارُ: بضم الجيم وفتح الميم مع تشديدها، هو جمار النخلة وهو لحمتها التي في قمة رأسها تقطع قمته ثم تكشط عن جمارة في جوفها بيضاء كأنها قطعة سنام ضخمة وهي رَحْحَةٌ تؤكل بالعسل. انظر: "اللسان" (جمر).
(٢) انظر: "تهذيب اللغة" ٩/ ٤٦٦ (كمم).
(٣) لم أجده.
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" ١٣٥ أ، و"جامع البيان" ٢٧/ ٧١.
(٥) انظر: "تنوير المقباس" ٥/ ٣١٤.
(٦) قرأ ابن عامر: والحبَّ ذا العصف بالنصب وقرأ الباقون وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ انظر: "حجة القراءات" ص ٦٩، و"النشر" ٢/ ٣٨، و"الإتحاف" ص ٤٥.
(٧) انظر: "تهذيب اللغة" ٢/ ٤١، و"اللسان" ٢/ ٧٩٦ (عصف).

صفحة رقم 142

وقال الفراء: العصف: بقل الزرع، يعني أول ما ينبت منه وهو ورق بعد، قال: والعرب تقول: خرجنا نعصف الزرع إذا قطعوا منه شيئًا قبل إدراكه فذلك العصف (١).
وقال النضر: يقال: عصفنا الزرع نعصفه، أي: جززنا ورقه ليكون أخف للزرع، وإن لم يفعل مال بالزرع. (٢)
وقال ابن عباس: العصف والعصيفة ورق السنبل. (٣)
وقال أبو إسحق: العصف ورق الزرع، ويقال للتبن عصف وعصيفة، وأنشد أبو عبيدة:

يُسقي مذانبَ قد مالتْ عَصيفَتُها حدودها من أتيّ الماء مطموم (٤)
فحصل من هذا الأقوال أن العصفَ ورق الزرع، ثم إذا يبس وديس صار تبنًا. وعلى هذا يدور كلام المفسرين.
قال مجاهد: هو ورق الزرع، وهو قول مقاتل، وابن عباس في رواية الكلبي والعوفي (٥).
وقال قتادة: الْعَصْفِ التبن، وهو قول الضحاك، ورواية علي بن
(١) انظر: "معاني القرآن" للفراء ٣/ ١١٣.
(٢) انظر: "تهذيب اللغة" ٢/ ٤١ (عصف).
(٣) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" ١٧/ ١٥٧ ونسبه للهروي.
(٤) البيت لعلقمة بن عبدة، والمذانب الجداول التي يسيل فيها الماء، وطَمَّ الماء يَطِمُّ طَمًّا وطُمُومًا. علا وغمر، وكل ما كَثُرَ وعَلا حتى غَلَب فقد طَمَّ يَطِمُّ.
انظر: "ديوان علقمة" ص ١١٧، و"مجاز القرآن" ٢/ ٢٤٢، و"معاني القرآن" للزجاج ٥/ ٩٧، و"جامع البيان" ٢٧/ ٧١، و"اللسان" ١/ ١٨ (ذنب)، ٢/ ٦١٥ (طم)، ٢/ ٧٩٦ (عصف).
(٥) انظر: "تنوير المقباس" ٥/ ٣١٤، و"تفسير مقاتل" ١٣٥ أ، و"جامع البيان" ٢٧/ ٧١.

صفحة رقم 143

أبي طلحة عن ابن عباس (١).
وروى السدي عن أبي (٢) مالك قال: هو أول ما ينبت (٣).
قال ابن كيسان: العصف: ورق كل شيء خرج منه الحب يبدو أولًا ورقًا، ثم يكون سوقًا، ثم يحدث الله فيه أكمامًا، ثم يحدث في الأكمام الحب (٤).
قوله تعالى: وَالرَّيْحَانُ قال أبو زيد: الريحان كل بقلة طيبة الريح، يقال للطاقة منها ريحانة، سميت ريحانة: لأن الإنسان يراح له رائحة طيبة إذا مسها، أي يدركها. قال: رحت الشيء أراح إذا أردت رائحته وهو فَعْلان من الرائحة والريح، وأصل الياء فيه واو قلبوها ياء فرقًا بينه وبين الروحان، وهو شيء له روح، ويقال: شيء ريحاني وروحاني، حكاهما ابن الأعرابي، وما يتركب من الراء والواو والحاء كثير، والأصل في ذلك الحركة والاهتزاز فالرائحة فاعلة من راحت الريح تروح روحانًا إذا تحركت، ذكر هذا كله أبو القاسم الزجاجي.
وقال أبو علي: ويجوز أن يكون الريحان فَيْعِلانا، والعين محذوفة كأنه كان في الأصل ريوحان فلما اجتمعت الياء والواو وسبقت إحداهما

(١) انظر: "تفسير عبد الرزاق" ٢/ ٢٦٢، و"جامع البيان" ٢٧/ ٧١، و"الكشف والبيان" ١٢/ ٣٥ أ.
(٢) في (ك): (ابن).
(٣) انظر: "صحيح البخاري"، كتاب التفسير، سورة الرحمن، ٦/ ١٨. ، قال: وقال أبو مالك: العصف أول ما ينبت. قال ابن حجر: وليس له -أي لابن مالك- في البخاري إلا هذا الموضع. "فتح الباري" ٨/ ٦٢١، و"جامع البيان" ٢٧/ ٧١، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي مالك.
(٤) انظر: "الوسيط" ٤/ ٢١٨، و"معالم التنزيل" ٤/ ٢٦٨، و"فتح القدير" ٥/ ١٣٢.

صفحة رقم 144

بالسكون أدغم أحدهما في الآخر فقيل ريحان، ثم خفف كما قلنا في سيد وميت وهين (١).
قال أبو القاسم: وسمت العرب الرزق ريحانا؛ لأن الإنسان يرتاح له (٢) ويقوى به روحه، واللغة العرفية في الريحان أنه يطلق على ما له رائحة من الأنوار، وقال أبو عبيدة: الريحان الحب الذي يؤكل، ومنه يقال: سبحانك وريحانك، أي: رزقك، وأنشد للنمر بن تولب:

سلام الإله وريحانُه ورحمتُه وسماءٌ دِرَرْ (٣)
وقال الفراء: والريحان في كلام العرب: الرزق، تقول: خرجنا نطلب ريحان الله ورزقه (٤).
وقال أبو إسحق: والعرب تقول: سبحان الله وريحانه.
قال أهل اللغة: واسترزاقه، وأنشد بيت النمر، قال: معنى ريحانه: رزقه (٥).
قال مجاهد: الريحان الرزق. وهو رواية عكرمة والكلبي عن ابن عباس (٦).
(١) انظر: "الحجة للقراء السبعة" ٦/ ٢٤٥ - ٢٤٦، و"الجامع لأحكام القرآن" ١٧/ ١٥٧.
(٢) كذا في (ك)، ولم تتبين ليّ.
(٣) انظر: "المنصف" ٢/ ١١، و"مجاز القرآن" ٢/ ٢٤٣، و"تفسير غريب القرآن" ص ٤٣٧، و"معاني القرآن" للزجاج ٥/ ٩٧، و"اللسان" ١/ ١٢٤٧ (روح).
(٤) انظر: "معاني القرآن" للفراء ٣/ ١١٣ - ١١٤.
(٥) انظر: "معاني القرآن" للزجاج ٥/ ٩٧.
(٦) اظر: "تفسير مجاهد" ٢/ ٦٤، و"جامع البيان" ٢٧/ ٧١، و"الكشف والبيان"
١٢/ ٣٥ أ، و"صحيح البخاري"، كتاب: التفسير، سورة الرحمن ٦/ ٧٣، قال: وقال مجاهد: العصف ورق الحنطة، والريحان الرزق.

صفحة رقم 145

قال المقاتلان: هو بلغة حمير (١).
وقال الحسن وابن زيد: هو ريحانكم الذي يشم (٢).
واختلفوا في إعراب (الريحان) فقرأ الأكثرون بالرفع على معنى: وفيها الحب والريحان، وقرأ حمزة والكسائي بالخفض حملًا على (ذو) كأنه والحب ذو العصف وذو الريحان، أي: من الحب الرزق، وأريد بالريحان الرزق إذا خرج وخلص من لفائفه وهو رزق للناس، والعصف رزق للدواب، فذكر قوت الناس والأنعام كما قال تعالى: فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (٥٣) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ [طه: ٥٣] وقال: مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ [النازعات: ٧٣، عبس: ٣٢] فكذلك العصف يختص بأنه رزق الأنعام، والريحان يعم الأناسي وغيرهم، ولا يجوز على هذه القراءة أن يكون الريحان المشموم (٣)، واختار أبو عبيد هذه القراءة. قال: لأن الريحان في التفسير الرزق، والعصف الورق فيكون المعنى أن الحب ذو ورق ورزق، ومن رَفع الريحان على الابتداء صار التأويل في الحب أنه ذو ورق لا غير، ولا أحب هذا المعني.
قال المبرد: الذي قال أبو عبيد يجوز، ولكن فيه بعد؛ لأن الحب هو الرزق نفسه ليس غيره فيبعد أن يقال للرزق ذو الرزق، إلا أن يحمل على ما قال مقاتل أن الريحان الرزق بلغة حمير، وهو ما يخرج من الحب من دقيق

(١) انظر: "تفسير مقاتل" ١٣٥ أ، و"الكشف والبيان" ١٢/ ٢٥ أ، ونسبه لمقاتل بن حيان.
(٢) انظر: "جامع البيان" ٢٧/ ٧١، و"الكشف والبيان" ١٢/ ٣٥ ب، و"معالم التنزيل" ٤/ ٢٦٨.
(٣) انظر: "الحجة للقراء السبعة" ٦/ ٢٤٥ - ٢٤٦.

صفحة رقم 146

أو سويق أو غيره، قال: والوجه الرفع في الريحان؛ لأنه إن أريد بالريحان الرزق كان المعنى فيها: الحب ذو العصف: أي: الذي معه ورقه، وتم الكلام ثم قال: الرَّيْحَانُ أي الرزق المنفرد، وإن أريد بالريحان المشموم، ولذلك فهذه القراءة تحتمل القولين في تفسير الريحان.
قال: والظاهر أن الريحان في هذا الموضع هو الذي يشم؛ لأن الريحان إذا جاء مطلقًا وقع على ما يشم، وهذا هو الأحسن في التفسير، لأنه لما قيل: فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (١١) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ كان ذلك جامعًا لأكثر المأكولات ثم ذكر بعدها ما يشم مما يخرج من الأرض؛ لأن النعمة على الناس عظيمة جليلة في المأكول والمشموم، والريحان إذا جاء بلا دليل انطلق على المشموم لأنه اسمه الخاص، وإذا عني بالريحان الرزق احتيج إلى أن يكون في الكلام ما يدل عليه كما قال سيبويه، يقال: سبحان الله وريحانه. تقديره: تسبيحًا واسترزاقًا (١).
وقرأ ابن عامر: (والريحانَ) نصبًا اتباعًا لقوله: وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ على قراءته (٢).
قال أبو علي: وانتصب ريحان فيما حكاه سيبويه انتصاب المصادر، وذكرنا في وزنه قولين، فإن قلنا وزنه فيعلان كان هذا اسمًا موضوعًا موضع المصدر؛ لأنه ليس في أبنية المصادر شيء على هذا الوزن فيكون كقولهم: تربا وجندلًا، ونحو ذلك مما وضع موضع المصادر، أو يجعله

(١) انظر: "الكتاب" ١/ ٣٢٢.
(٢) قرأ ابن عامر وَالرَّيْحَانُ بالنصب، وقرأ حمزة والكسائي وخلف وَالرَّيْحَانُ في بخفض النون. وقرأ الباقون برفع النون وَالرَّيْحَانُ. انظر: "حجة القراءات" ص ٦٩، و"النشر" ٢/ ٣٨، و"الإتحاف" ص ٤٥.

صفحة رقم 147

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية