تفسير المفردات : الآلاء : النعم واحدها ألى ( بفتح الهمزة وكسرها ) وإلي وإلو.
المعنى الجملي : بين سبحانه ما صنعه المليك المقتدر من النعم لعباده، رحمة بهم فأفاد :
١ )أنه علم القرآن وأحكام الشرائع لهداية الخلق وإتمام سعادتهم في معاشهم ومعادهم.
٢ )أنه خلق الإنسان على أحسن تقويم وكمله بالعقل والمعرفة.
٣ )أنه علمه النطق وإفهام غيره، ولا يتم هذا إلا بنفس وعقل.
٤ )أنه سخر له الشمس والقمر والنجوم على نظام بديع ووضع أنيق لحاجته إليها في دنياه ودينه.
٥ )أنه سخر له النجم والشجر ليقتات منهما.
٦ )أنه رفع السماء وأقامها بالحكمة والنظام.
٧ )أنه أوجد الأرض وما فيها من نخل وفاكهة وحب ذي عصف وريحان.
الإيضاح : فبأي آلاء ربكما تكذبان أي فبأي النعم المتقدمة يا معشر الثقلين من الجن والإنس تكذبان ؟ والمراد من تكذيب آلائه كفرهم بربهم، لأن إشراكهم آلهتهم به في العبادة دليل على كفرانهم بها، إذ من حق النعم أن تشكر، والشكر إنما يكون بعبادة من أسداها إليهم.
والتعبير( بالرب )للإشارة إلى أنها نعم صادرة من المالك المربى لهما الذي ينميهما أجساما وعقولا، فهو الحقيقي بالحمد والشكر على ما أولى وأنعم، والعبادة له دون سواه.
وقد كررت هذه الآية في واحد وثلاثين موضعا من السورة تقريرا للنعمة، وتأكيدا للتذكير بها، فتراه عدد نعمه على الخلق وفصل بين كل نعمتين بما يذكرهم ويقررهم بها.
وهذا أسلوب كثير الاستعمال في كلام العرب، فترى الرجل يقول لمن أحسن إليه بنعمة وهو يكفر بها : ألم تكن فقيرا فأغنيتك، أفتنكر هذا ؟ ألم تكن عريانا فكسوتك ؟ أفتنكر هذا، ألم تكن خاملا فرفعت قدرك، أفتنكر هذا ؟.
فكأنه سبحانه قال : ألم أخلق الإنسان، وأعلمه البيان، وأجعل الشمس والقمر بحسبان، وأنوع الشجر، وأبدع الثمر، وأعممها في البدو والحضر، لمن آمن بي وكفر، وأسقيها حينا بالمطر، وآونة بالجداول والنهر. أفتنكران ذلك أيها الإنس والجن ؟
وقد جاء مثل هذا في أشعارهم : انظر قول مهلهل يرثي أخاه كليبا :
على أن ليس عدلا من كليب إذا ما ضيم جيران المجير
على أن ليس عدلا من كليب إذا خرجت مخبأة الخدور
على أن ليس عدلا من كليب إذا خيف المخوف من الثغور
على أن ليس عدلا من كليب إذا ما خار جأش المستجير
وهي قصيدة طويلة على هذا النسق، ولها نظائر أيضا في رثائه، ولولا خشية التطويل لأوردنا شيئا منها، وعدلا : أي مثلا ونظيرا.
تفسير المراغي
المراغي