فبأي آلاء ربكما تكذبان الخطاب للثقلين الجن والإنس، لذلك سيخاطبهم بعد ذلك سنفرغ لكم أيها الثقلان (٣١) وهنا يخاطبهم الحق سبحانه بهذا الاستفهام: هذه نعم الله وآلاؤه، فبأي هذ النعم تكذبان أيها الانس وأيها الجن؟
ومن أساليب القرآن الكريم أن الحق سبحانه حينما يريد أن يقرر حكما ويؤكد عليه لا يأتي به في صورة الخبر، إنما يأتي في صورة الاستفهام، كأنه يقول لهم: قولوا أنتم، ونحن نبحث عن الجواب للاستفهام لا بد أن تقول: ولا بشيء من نعمتك ربنا نكذب.
وأنت تسلك سبيل الاستفهام إلا وأنت واثق من أن الجواب سيأتي ولا بد كما تريد، كالذي ينكر مثلا فضلك عليك، فتقول له ألم أفعل معك كذا كذا؟
كلمة آلاء... أي نعم جمع آل مثل حمل وأحمال. وهذه الآية فبأي آلاء ربكما تكذبان تكرر فيهذه السورة عدة مرات، وهذا له مزية وحكمة، كما في قوله تعالى في السورة قبلها: ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مذكر (١٧) [القمر] ومثل فكيف كان عذابي ونذر (٢١) [الفجر] ومثل هذا التكرار له حكمة. ويضيف جديدا، وإلا كان زيادة، والقرآن منزه عن هذا.
فالأسلوب حينما يكرر فبأي آلاء ربكما تكذبان تأسيس لكل نعمة مخصوصة، فمع كل نعمة بعيد هذا الأسلوب، فيجعل كل نعمة على حدة مسئولا عنها هذا السؤال.
وقد تكررت هذه الآية في سورة الرحمن إحدى وثلاثين مرة فكان الحق سبحانه يريد أن يؤكد لنا على سيال الرحمانية في سورة الرحمن فيذكرها في كل نعمة. هل تكذبون بكذا؟ وكيف لنا أن نكذب ونحن نتقلب في هذا النعيم ليل نهار...
وهذا يعني أننا حينما نستمع للقرآن يجب أن ننفعل به ونتدبر معناه، لا أن يمر على أذاننا هكذا كغيره من كلام البشر، وقد رأينا أهل الإيمان والقرب من الله، يفعلون ذلك، فإذا ذكر اسم الله قالوا سيحان الله، أو جل جلاله، وإذا ذكر رسول الله قالوا: صلى الله عليه وسلم. إذا ذكرت الجنة سألوها، وإذا ذكرت النار استعاذوا بالله منها، وهكذا يتفاعل المؤمن مع كلام الله، فأين نحن من هؤلاء؟
تفسير الشعراوي
الشعراوي