قوله تعالى : مَرَجَ البحرين أي : خلَّى وأرسل وأهمل، يقال : مرج الناس السلطان، أي : أهملهم، وأصل المَرْج الإهمال كما تمرج الدَّابة في المَرْعى ويقال : مرج خلط.
وقال الأخفش : ويقول قوم : أمرج البحرين مثل «مرج » فيكون «فَعَلَ وأفْعَلَ » بمعنى١.
و«البَحْرين » : قال ابن عباس رضي الله عنهما : بحر السماء، وبحر الأرض٢.
قال سعيد بن جبير : يلتقيان في كل عام٣.
وقيل : يلتقي طرفاهما.
وقال الحسن وقتادة : بحر «فارس » و«الروم »٤.
وقال ابن جريج : البحر المالح، والأنهار العذبة.
وقيل : بحر المشرق، وبحر المغرب يلتقي طرفاهما.
وقيل : بحر اللؤلؤ والمرجان.
«بينهما برزخ » حاجز.
قوله :«يلتقيان » حال من «البَحريْنِ » وهي قريبة من الحال المقدرة، ويجوز بتجوّز أن تكون مقارنة.
و«بَينهُمَا بَرزخٌ » يجوز أن تكون جملة مستأنفة، وأن تكون حالاً، وأن يكون الظَّرف وحده هو الحال، و«البَرْزَخُ » فاعل به، وهو أحسن لقربه من المفرد.
وفي صاحب الحال وجهان :
أحدهما : هو البحرين.
والثاني : هو فاعل «يَلْتقيان ».
و«لا يَبْغِيَان » حال أخرى كالتي قبلها، أي : مرجهُمَا غير باغيين أو يلتقيان غير باغِيين، أو بينهما برزخٌ في حال عدم بغيهما، وهذه الحال في قوة التعليل، إذ المعنى :«لئلاَّ يَبْغِيانِ ».
وقد تمحّل بعضهم، وقال : أصل ذلك لئلا يبغيا ثم حذف حرف العلة، وهو مطّرد مع «أن » و«إن »، ثم حذفت «أن » أيضاً، وهو حذف مطرد، كقوله : وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ [ الروم : ٢٤ ]، فلما حذفت «أن » ارتفع الفعل، وهذا غير ممنوع، إلا أنه تكرر فيه الحذف.
وله أن يقول : قد جاء الحذف أكثر من ذلك فيما هو أخفى من هذا، كما سيأتي في قوله : وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ [ الواقعة : ٨٢ ].
فصل في مناسبة هذه الآية لما قبلها
لما ذكر الشمس والقمر، وهما يجريان في الفلك كما يجري الفلك في البحر، كقوله : كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [ الأنبياء : ٣٣ ]، فذكر البحرين عقيب المشرقين والمغربين، أو لأن المشرقين والمغربين يكونان في البر والبحر، فذكر البحر بعد ذكر البر ؛ لانحصار البر والبحر بين المشرق والغرب.
٢ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١١/٥٨٦) عن ابن عباس وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/١٩٤) وعزاه للطبري..
٣ جاء عن ابن عباس أيضا وانظر التعليق السابق..
٤ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١١/٥٨٦) عن الحسن وقتادة وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/١٩٤) عن الحسن وزاد نسبته إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر.
وذكره أيضا عن قتادة وزاد نسبته إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود