ثم ذكر ما أعد لأهل الانتقام، فقال :
يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ * يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ .
يقول الحق جلّ جلاله : يُعرَفُ المجرمون أي : الكفرة بسيماهم بسواد وجوههم، وزُرقة عيونهم، أو : بما يعلوهم من الكآبة والحزن. قيل : هو تعليل لقوله : فيومئذ لا يُسأل عن ذنبه إنس ولا جان أي : لا يُسألون لأنهم معروفون، فيُؤخذُ بالنواصي والأقدام أي : يُجمع بين نواصيهم وأقدامهم في سلسلة من وراء ظهورهم، وقيل : تسحبهم الملائكةُ، تارة يُأخذ بالنواصي، وتارة بالأقدام، فالجار نائب الفاعل.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : فسَّر القشيري " المجرمون " هنا بطائفتين، الأولى : المتشدقون من علماء الكلام، الذين يتكلمون في ذاته وصفاته وأفعاله بما ليس لهم به علم، ويُجادلون أربابَ الكشف والشهود بسبب علومهم الجدلية، ويفوهون بقوة الجبهة وصلابة الناصية، فلا شك أنهم يُجرون على ناصيتهم في نار البُعد والطرد عن مراتب أهل العرفان. الطائفة الثانية : المتصوفة الجاهلة، المنقطعون عن الطريق المستقيم، والمنهج القويم، بسبب دخولهم في هذه الطريق بالتقليد، من غير إذن شيخ كامل، واصِلٍ مُوصِل، فلا شك أنهم يخرجون بأقدامهم المُعْوَجة عن سلوك طريق الحق إلى نار البُعد والقطيعة. هـ. بالمعنى. والسيما التي يُعرفون بها، إما علو النفس، وغِلظة الطبع، وطلب الجاه، وإما قلقة اللسان، وإظهار العلوم، فالعارف الكامل بعكس هذا كله، متواضع، سهل، لَيِّن، الخفاء أحب إليه من الظهور، لسان حاله أفصح من مقاله. ثم قال تعالى : هذه جهنم التي يُكذِّب بها المجرمون المتقدمون، لأنهم ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا. وهم يحسبون أنهم يُحسنون صُنعاً، يطوفون بينها أي : بين نار القطيعة وحميم التدبير والاختيار، مِن هَمّ الرزق، وخوف الخلق، وغم الحجاب : نسأل الله العصمة بمنِّه وكرمه.