تفسير المفردات : والسيما : العلامة، والنواصي : واحدها ناصية وهي مقدم الرأس، والأقدام : واحدها قدم، وهي قدم الرجل المعروفة.
المعنى الجملي : بعد أن عدد عزت قدرته نعماءه على عباده، وما يجب من شكرهم عليها، ثم أرشدهم إلى أن هذه النعم لا بقاء لها ولا ثبات، ثم ذكر أن الناس محاسبون على الصغير والكبير من أعمالهم، وسيلقون الجزاء عليها، ولا مهرب حينئذ منها، ولا نصير لهم ينقذهم مما سيحل بهم من العذاب – ذكر هنا أنه إذا جاء ذلك اليوم اختل نظام العالم، فتتصدع السماوات، ويحمر لونها، وتصير مذابة غير متماسكة، كالزيت ونحوه مما يدهن به، ويكون للمجرمين حينئذ علامات يمتازون بها عن سواهم، فيتعرفهم الرائي لهم دون حاجة إلى سؤال نكالا وخزيا لهم، ثم يجرون إلى جهنم من نواصيهم وأرجلهم، ويقال لهم توبيخا وتقريعا : هذه جهنم التي كنتم تكذبون بها، وينتقل بهم من جهنم إلى ماء حار كالمهل يشوي الوجوه ؛ ومن عذاب إلى ما هو أشد منه.
الإيضاح : ثم ذكر السبب في عدم سؤال الإنس والجان عن ذنوبهم فقال :
يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام أي يعرف المجرمون حينئذ بعلامات يمتازون بها عن سواهم، فلا حاجة حينئذ إلى السؤال والجواب، لأن السيما ميزت كل مجرم بنوع جرمه.
ولقد اهتدى الإنسان بعقله إلى فوائد هذه العلامات في الدنيا، فأنشأت الحكومات إدارات خاصة لعلامات المشتبه في سلوكهم ومعتادي الأجرام، فتأخذ إبهاماتهم وتحفظها في أضايير خصيصى بهم، ولكل امرئ خطوط في إبهامه لا تشابه خطوط غيره فيه ولا يحصل فيها التباس، فمتى أحدث أحدهم حدثا وجاء بجرم روجع ملفه الخاص، واستخرجت صورة إبهامه من ملفه، وطبقت على الصورة الخارجية ولاقى في المحاكم ما يستحقه من عقاب.
والخلاصة : إن لكل امرئ أحوالا تخصه في جسمه وعقله وأخلاقه، يعرف الناس منها الآن قليلا، وبقية علمها عند الله يعلمها ملائكته يوم القيامة فيعرفون المجرمين بها.
ثم تسحبهم الملائكة تارة بأخذ النواصي، وأخرى بأخذ الأقدام، روي عن الضحاك :( أن الملك يجمع بين ناصية أحدهم وقدميه في سلسلة من وراء ظهره، ثم يكسر ظهره ويلقيه في النار، وقيل : تأخذ الملائكة عليهم السلام بعضهم سحبا بالناصية، وبعضهم سحبا بالقدم، ولا نجزم بشيء من ذلك إلا بالنص القاطع.
وهذا الوضع معهم سبيل من سبل الإهانة والإذلال والنكال.
تفسير المراغي
المراغي