المعنى الجملي : بعد أن بشر المؤمنين بأن نورهم يوم القيامة يسعى بين أيديهم وبأيمانهم، وحثهم على بذل الجهد وترك الغفلة، وذكر ثواب المتصدقين والمتصدقات – أردف ذلك وصف حال الدنيا وسرعة زوالها وتقضيها، وضرب لذلك مثل الأرض ينزل عليها المطر فتنبت الزرع البهيج الناضر الذي يعجب الزراع لنمائه وجودة غلته، وبينا هو على تلك الحال، إذا به يصفر بعد النضرة والخضرة ويجف ثم يتكسر ويتفتت، وما الحياة الدنيا إلا مزرعة للآخرة، فمن أجاد زرعه حصد وربح، ومن توان وكسل ندم ولات ساعة مندم.
قال سعيد بن جبير : الدنيا متاع الغرور إذا ألهتك عن طلب الآخرة، فأما إذا دعتك إلى طلب رضوان الله وطلب الآخرة فنعم المتاع ونعم الوسيلة.
ثم حث على عمل ما يوصل إلى مغفرة الله ورضوانه، ويمهد إلى الدخول في جنات عرضها السماوات والأرض، أعدها لمن آمن به وبرسله فضلا منه ورحمة وهو المنعم عظيم الفضل.
الإيضاح : ولما أبان أن الآخرة قريبة، وفيها العذاب الأليم، والنعيم المقيم – حث على المبادرة إلى فعل الخيرات فقال :
سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أي سابقوا أقرانكم في مضمار الأعمال الصالحة، وأدوا ما كلفتم به من أوامر الشريعة، واتركوا نواهيها يدخلكم ربكم بما قدمتم لأنفسكم، جنة سعتها كسعة السماوات والأرض.
ثم بين المستحقين لها فقال :
أعدت للذين آمنوا بالله ورسله أي هيئت للذين اعترفوا بوحدانية الله وصدقوا رسله.
ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء أي هذا الذي أعده الله لهم هو من فضله ورحمته ومنته عليهم.
وفي الصحيح : أن فقراء المهاجرين قالوا : يا رسول الله ذهب أهل الدثور – الأموال – بالأجور، والدرجات العلى، والنعيم المقيم، قال :( وما ذاك ؟ )قالوا : يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق، قال :( أفلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه سبقتم من بعدكم ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم ؟ تسبحون وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين )، قال : فرجعوا فقالوا سمع إخواننا أهل الأموال ما فعلنا ففعلوا مثله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ).
والله ذو الفضل العظيم أي والله واسع العطاء، عظيم الفضل، فيعطي من يشاء ما شاء كرما منه وفضلا، ويبسط له الرزق من الدنيا، ويهب لهم النعم، ويعرفهم مواضع الشكر، ثم يجزيهم في الآخرة ما أعده لهم مما وصفه قبل.
تفسير المراغي
المراغي