ﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭ

... سابِقُوا إلى مغْفِرَةٍ.. فكأن المغفرة هي الغاية وهي الهدف، كما تقول سافرت من القاهرة إلى الإسكندرية، وهذه الغاية لا تُدرك إلا بالمسابقة والسعي الجاد الدائب، لا تُدرك المغفرة بالتهاون والتكاسل. والسباق هنا سباق في الأعمال الصالحة وفي الطاعات، سباق في الانقياد لأوامر الله.
وفي موضع آخر قال سبحانه: وسَارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ من ربّكُم.. ١٣٣ [آل عمران] والمسارعة والمسابقة تعني مفاعلة ومشاركة ومنافسة بين المؤمنين المنقادين لمنهج الله كلّ يريد أنْ يسبق وأنْ يرتقي إلى الغاية المنشودة لهم جميعاً وهي المغفرة إلى مغْفرَة من ربّكُم...
لكن في آية أخرى قال في شأن سيدنا زكريا وسيدنا يحيى: إنّهُم كَانُوا يُسارِعُون في الخَيْرَاتِ.. ٩٠ [الأنبياء] ولم يقل إلى الخيرات لأن الخيرات وسيلة وليست غاية في ذاتها الخيرات وسيلة للغاية العظمى وهي المغفرة.
وقال (الخيرات) بصيغة الجمع لأنها مجال واسع يسع الطموح الإيماني، فكلّ مؤمن يأخذ منه على قدر أريحيته ويسارع فيه على قدر جهده وإمكانيته، فعمل الخير يتفاوت إذن كلما أوغلت فيه وسارعت أخذت من المنزلة على قدره...
والنبي صلى الله عليه وسلم يوضح لنا هذا المعنى بقوله: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله العلم فهو يقضى به بين الناس».
والحسد هنا بمعنى الغبطة والمنافسة الشريفة، وأصل المنافسة من طول النفس، لذلك سيدنا عمر قال لسيدنا العباس: هيا بنا نتنافس يعني: نغطس في الماء ونرى منْ منا أطول نفساً من الآخر؟ ومعلوم أن الإنسان كلما كانت رئته سليمة تتسع لأكبر قدر من الهواء، كان نفسه وبقاؤه تحت الماء أطول.
إذن: نتسابق في الخيرات لنرى منْ منّا أسبق، مَنْ منّا يصل إلى غايته أولاّ...
وقوله تعالى: وجنّةٍ عرضُهَا كَعَرْض السَّمَاءِ والأَرْضِ. جاءت الجنة بعد المغفرة، فالله يغفر لهم الذنوب أولاً ثم يدخلهم الجنة... والمغفرة إما أنْ يسبقها ذنب فتمحوه المغفرة، أو تكون المغفرة بستر الذنب عنك فلا يأتيك أصلاً.
والحق سبحانه وتعالى هنا يعطينا مثلاً وتوضيحاً للجنة لأنها غيب عنا مجهولة لنا، فيُقرّبها للأذهان بشيء معلوم مشاهد، ونحن نشاهد السماء والأرض واتساعها طولاً وعرضاً.
فقال في وصف الجنة وجنّةٌ عَرْضُها كعرْض السَّماءِ والأرضِ.. فأتى بالعرض ولم يأت بالطول، ومعلوم أن العرض دائماً أقلّ من الطول، فإذا كان عرضها أي الجنة كعرض السماوات والأرض في اتساعه فما بالك بالطول، فهذا كناية عن الاتساع.
وقوله تعالى: أُعدّت للذينَ آمَنُوا باللهِ ورُسُلِهِ.. أي: أعدّتْ بالفعل وجهّزت لاستقبال الذين آمنوا بالله ورسوله، فهي مسألة مفروغ منها وليست تحت الإنشاء...

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير