الآية الثالثة : قوله تعالى : فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا [ المجادلة : ٤ ].
٨٦٩- يحيى : سمعت مالكا يقول : أحسن ما سمعت فيمن وجب عليه صيام شهرين متتابعين، في قتل خطأ أو تظاهر، فعرض له مرض يغلبه ويقطع عليه صيامه، أنه إن صح من مرضه وقوي الصيام، فليس له أن يؤخر ذلك وهو يبني على ما قد مضى من صيامه.
وليس لأحد وجب عليه صيام شهرين متتابعين في كتاب الله، أن يفطر إلا من علة : مرض، أو حيضة، وليس له أن يسافر فيفطر. ١قال مالك : وهذا أحسن ما سمعت في ذلك.
٨٧٠- يحيى : قال مالك : وأحب إلي أن يكون، ما سمى الله في القرآن يصام متتابعا. ٢.
قوله تعالى : فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا [ المجادلة : ٤ ].
٨٧١- ابن العربي : قال مالك في رواية ابن القاسم، وابن عبد الحكم مد بمد شام، وهو الشبع هاهنا، لأن الله تعالى أطلق الطعام ولم يذكر الوسط. ٣
وقال :- يعني مالكا- في رواية أشهب : مدان بمد النبي صلى الله عليه وسلم قيل له : ألم تكن قلت : مد هشام ؟ قال : بلى، ومدان بمد النبي صلى الله عليه وسلم أحب إلي. وكذلك قال عنه ابن القاسم أيضا. ومد هشام هو مدان غير ثلث بمد النبي صلى الله عليه وسلم. قال أشهب : قلت له : أيختلف الشبع عندنا وعندكم ؟.
قال : نعم الشبع عندنا مد بمد النبي صلى الله عليه وسلم، والشبع عندكم أكثر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم دعا لنا البركة دونكم، وأنتم تأكلون أكثر مما نأكل نحن، وهذا بين جدا.
٨٧٢- يحيى : قال مالك في إطعام المساكين في الكفارات : لا ينبغي أن يطعم فيها إلا المسلمون، ولا يطعم فيها أحد على غير دين الإسلام ٤.
٢ - الموطأ: ١/٣٠٤، باب ما جاء في قضاء رمضان والكفارات..
٣ - أحكام القرآن لابن العربي: ٤/ ١٧٥٦، وقد تعقبه ابن العربي بحديث طويل قائلا: "وقع الكلام هاهنا كما ترون في مد هشام، وددت أن يهشم الزمان ذكره، ويمحو في الكتب رسمه، فإن المدينة التي نزل الوحي بها، واستقر بها الرسول، ووقع عندهم الظهار وقيل لهم فيه: فإطعام ستين مسكينا فهموه وعرفوا المراد به، وأنه الشبع، وقدره معروف عندهم متقدر لديهم، فقد كانوا يجوعون لحاجة ويشبعون بسنة لا بشوة، ومجاعة وقد ورد ذكر الشبع في الأخبار كثيرا. وقد تكلمنا على هذه الأنوار واستمر الحال على ذلك أيام الخلفاء الراشدين المهديين، ثم نفخ الشيطان في أذن هشام، فرأى مد النبي صلى الله عليه وسلم لا يشبعه، ولا مثله من حاشية ونظائره، فسول له أن يتخذ مدا يكون فيه شبعه، فجعله رطلين، وحمل الناس عليه، فإذا ابتل عاد نحو ثلاثة أرطال، فغير السنة، وأذهب محل البركة. قال النبي صلى الله عليه وسلم حين دعا ربه لأهل المدينة بالبركة لهم في مدهم وصاعهم: مثل ما بارك لإبراهيم بمكة. فكانت البركة تجري بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم في مده، فسعى الشيطان في تغيير هذه السنة وإذهاب البركة. فلم يستجب له في ذلك إلا هشام، فكان من حق العلماء أن يلغوا ذكره، ويمحوا رسمه، إذ لم يغيروا أمره، وأما أن يحيلوا على ذكره في الأحكام ويجعلوه تفسيرا لما ذكره الله ورسوله بعد أن كان مفسرا عند الصحابة الذين نزل عليهم فخطب جسيم، ولذلك كانت رواية أشهب في ذكر مد النبي صلى الله عليه وسلم في كفارة الظهار أحب إلينا من الرواية بأنها بمد هشام. ألا ترى كيف نبه مالك هذا العلم بقوله لأشهب: الشبع عندنا بمد النبي صلى الله عليه وسلم والشبع عندكم أكثر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم دعا بالبركة، وبهذا أقول، فإن العبادات إذا أديت بالسنة، فإن كانت في البدن كان أسرع للقبول. وإن كانت في المال كان قليلها أثقل في الميزان وأبرك في يد الأخذ، وأطيب في شدقه، وأقل آفة في بطنه، وأكثر إقامة لصلبه، والله الموفق لا رب غيره" ٤/١٧٥٦-١٧٥٧. ينظر: الهداية لمكي: ٢٥١ مخطوط خ. ح ٩٧٨٢، والجامع: ١٧/٢٨٥-٢٨٦-٢٨٧..
٤ - الموطأ: ٢/٧٧٨، كتاب العتاق والولاء، باب ما لا يجوز من العتق في الرقاب الواجبة..
تفسير الإمام مالك
أبو عبد الله مالك بن أنس الأصبحي المدني