ﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖ

( قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله، والله يسمع تحاوركما، إن الله سميع بصير. الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم، إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم، وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا، وإن الله لعفو غفور. والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا، ذلكم توعظون به، والله بما تعملون خبير. فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا، فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا، ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله. وتلك حدود الله، وللكافرين عذاب أليم )..
كان الرجل في الجاهلية يغضب لأمر من امرأته فيقول : أنت علي كظهر أمي. فتحرم عليه، ولا تطلق منه. وتبقى هكذا، لا هي حل له فتقوم بينهما الصلات الزوجية ؛ ولا هي مطلقة منه فتجد لها طريقا آخر. وكان هذا طرفا من العنت الذي تلاقيه المرأة في الجاهلية.
فلما كان الإسلام وقعت هذه الحادثة التي تشير إليها هذه الآيات، ولم يكن قد شرع حكم للظهار. قال الإمام أحمد : حدثنا سعد بن إبراهيم ويعقوب، قالا : حدثنا أبي، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثني معمر ابن عبد الله بن حنظلة، عن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن خويلة بنت ثعلبة. قالت : في والله وفي أوس بن الصامت أنزل الله صدر سورة المجادلة. قالت : كنت عنده، وكان شيخا كبيرا قد ساء خلقه، قالت : فدخل علي يوما فراجعته بشيء فغضب، فقال : أنت علي كظهر أمي. قالت : ثم خرج فجلس في نادي قومه ساعة، ثم دخل علي، فإذا هو يريدني عن نفسي، قالت : قلت : كلا والذي نفس خويلة بيده، لا تخلص إلي وقد قلت ما قلت حتى يحكم الله ورسوله فينا بحكمه. قالت : فواثبني، فامتنعت منه فغلبته بما تغلب به المرأة الشيخ الضعيف، فألقيته عني. قالت : ثم خرجت إلى بعض جاراتي فاستعرت منها ثيابا، ثم خرجت حتى جئت رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فجلست بين يديه، فذكرت له ما لقيت منه، وجعلت أشكو إليه ما ألقى من سوء خلقه. قالت : فجعل رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] يقول :" يا خويلة ابن عمك شيخ كبير فاتقي الله فيه " قالت : فوالله ما برحت حتى نزل في قرآن ؛ فتغشى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ما كان يتغشاه، ثم سري عنه، فقال لي :" يا خويلة قد أنزل الله فيك وفي صاحبك قرآنا ".. ثم قرأ علي - :( قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله، والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير ).. إلى قوله تعالى :( وللكافرين عذاب أليم ).. قالت : فقال لي رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" مريه فليعتق رقبة ". قالت : فقلت : يا رسول الله ما عنده ما يعتق. قال :" فليصم شهرين متتابعين ". قالت : فقلت : والله إنه لشيخ ما له من صيام. قال :" فليطعم ستين مسكينا وسقا من تمر ". قالت : فقلت : والله يا رسول الله ما ذاك عنده. قالت : فقال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" فإنا سنعينه بعرق من تمر ". قالت : فقلت يا رسول الله وأنا سأعينه بعرق آخر. قال :" قد أصبت وأحسنت فاذهبي فتصدقي به عنه، ثم استوصي بابن عمك خيرا ". قالت : ففعلت.
فهذا هو الشأن الذي سمع الله ما دار فيه من حوار بين رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] والمرأة التي جاءت تجادله فيه. وهذا هو الشأن الذي أنزل الله فيه حكمه من فوق سبع سماوات، ليعطي هذه المرأة حقها، ويريح بالها وبال زوجها، ويرسم للمسلمين الطريق في مثل هذه المشكلة العائلية اليومية !
وهذا هو الشأن الذي تفتتح به سورة من سور القرآن : كتاب الله الخالد، الذي تتجاوب جنبات الوجود بكل كلمة من كلماته، وهي تتنزل من الملأ الأعلى.. تفتتح بمثل هذا الإعلان :( قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها... )فإذا الله حاضر هذا الشأن الفردي لامرأة من عامة المسلمين، لا يشغله عن سماعه تدبيره لملكوت السماوات والأرض ؛ ولا يشغله عن الحكم فيه شأن من شؤون السماوات والأرض !
وإنه لأمر.. إنه لأمر أن يقع مثل هذا الحادث العجيب ؛ وأن تشعر جماعة من الناس أن الله هكذا معها، حاضر شؤونها، جليلها وصغيرها، معني بمشكلاتها اليومية، مستجيب لأزماتها العادية.. وهو الله.. الكبيرالمتعال، العظيم الجليل، القهار المتكبر، الذي له ملك السماوات والأرض وهو الغني الحميد.
تقول عائشة - رضي الله عنها - : الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات. لقد جاءت المجادلة خولة إلى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] في جانب البيت، ما أسمع ما تقول. فأنزل الله عز وجل : قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله... الآية.
وفي رواية خولة - أو خويلة للتصغير والتدليل - للحادث، وتصرفها هي فيه، وذهابها إلى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ومجادلتها له، ونزول القرآن بالحكم.. في هذا كله صورة من حياة تلك الجماعة الفريدة في تلك الفترة العجيبة. وشعورها بتلك الصلة المباشرة، وانتظارها التوجيه من السماء في كل شأن من شؤونها واستجابة السماء لهذا الانتظار، الذي يجعل الجماعة كلها - عيال الله - هو يرعاها وهي تتطلع إليه تطلع الطفل الصغير لأبيه وراعيه !
وننظر في رواية الحادث في النص القرآني، فنجد عناصر التأثير والإيحاء والتربية والتوجيه تسير جنبا إلى جنب مع الحكم وتتخلله وتعقب عليه، كما هو أسلوب القرآن الفريد :
ثم يتابع بيان الحكم فيه :
فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا. فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا )...
ثم التعقيب للبيان والتوجيه :
( ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله )... وهم مؤمنون.. ولكن هذا البيان، وهذه الكفارات وما فيها من ربط أحوالهم بأمر الله وقضائه.. ذلك مما يحقق الإيمان، ويربط به الحياة ؛ ويجعل له سلطانا بارزا في واقع الحياة. ( وتلك حدود الله ).. أقامها ليقف الناس عندها لا يتعدونها. وهو يغضب على من لا يرعاها ولا يتحرج دونها :( وللكافرين عذاب أليم ).. بتعديهم وتحديهم وعدم إيمانهم وعدم وقوفهم عند حدود الله كالمؤمنين..

في ظلال القرآن

عرض الكتاب
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير