ﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖ

فمن لم يجد الرقبة فصيامُ شهرين أي : فعليه صيام شهرين مُتتابعين مِن قبل أن يتماسا فإنْ أفسده باختياره من أوله باتفاق، وإن أفسده بعذر، كمرض أو نسيان، فقال مالك : يبني على ما كان معه في رواية عنه، وقال أبو حنيفة : يبتدئ، ورُوي القولان عن الشافعي. فمَن لم يستطعْ الصيام فإِطعام ستين مسكيناً بمُدّ هشام على مذهب مالك واختلف في قدره، فقيل : إنه مدان غير ثلث بمُد النبي صلى الله عليه وسلم وقيل : إنه مُد وثلث، وقيل : إنه مُدان، وبه قال أبو حنيفة، وقال الشافعي وابن القصار : يُطعم مُدّاً بمُد النبي صلى الله عليه وسلم لكل مسكين، ولا يجزئه إلاّ كمالُ الستين، فإنْ أطعم مسكيناً واحداً ستين يوماً لم يجزه عند مالك والشافعي، خلافاً لأبي حنيفة، وكذلك إن أطعم ثلاثين مرتين، والطعام يكون من غالب قوت البلد.
وذكر الحق جلّ جلاله : من قبل أن يتماسا في العتق والصوم ولم يذكره في الإطعام، فاختلف العلماءُ في ذلك، فَحَمل مالك الإطعامَ على ما قبله، ورأى أنه لا يكون إلاّ قبل المسيس، وجعل ذلك مِن المُطْلَق الذي يُحمل على المقَيد. وقال أبو حنيفة : يجوز للمظاهِر إذا كان من أهل الإطعام أن يطأ قبل الكفارة ؛ لأن الله لم ينص في الإطعام أنه قبل المسيس، وقال الشافعي : يجب تقديمه على المسيس، لكن لا يستأنف إن مسّ في حال الإطعام وجعل الإطعام. وجعل الحق جلّ جلاله كفارة الظهار مُرتّبة، فلا ينتقل عن الأول حتى يعجز عنه، ومثلها كفارة القتل والتمتُّع، وقد نظم بعضهم أنواع الكفارات، ما فيه الترتيب وما فيه التخيير، فقال :

خيِّرْ بصوم ثم صيد وأذى وقل لكل خصلةٍ يا حبذا
ورتّب الظهار والتمتعا والقتل ثم في اليمين اجتمعا
ذلك لتؤمنوا الإشارة إلى ما مرّ من البيان والتعليم للأحكام، ومحله رفع أو نصب، أي : ذلك واقع، أو فصّلنا ذلك لتؤمنوا بالله ورسولِه وتعملوا بشرائعه التي شرعها لكم، وترفُضوا ما كنتم عليه في جاهليتكم، وتلك أي : الأحكام التي وصفنا في الظِهار والكفارة، حدودُ الله التي لا يجوز تعدّيها، وللكافرين أي : الذين لا يعملون بها عذابٌ أليم عبّر عنه بالكفر تغليظاً على طريق : وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [ آل عمران : ٩٧ ].
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : الذين يباعدون من أنفسهم، فيُحرِّمون عليها التمتُّع بما أحلّ الله من الطيبات، تضييقاً وتشديداً عليها، مفْرطين في ذلك، محتجين لذلك بأنهم كانوا في بطن الشهوات، فقد ملكتهم ملك الأم لولدها، قال تعالى :" ما هن أمهاتِهم إنْ أُمهاتهم إلاّ اللائي ولدنهم، وإنهم ليقولون مُنكراً من القول وزوراً " حيث حرّموا ما أحلّ الله، والمراد بذلك الإفراط المؤدي إلى التلف. قال القشيري : لأنّ النفس مطية الروح، فلا تسلك طريق السير إلاّ بها، وهي مددها ومعونتها، كما قال عليه السلام :" إنّ لنفسك عليك حقاً " ١ فلا بد للروح من مسامحة النفس ومداراتها في بعض الأوقات، لتميل النفس إلى تصرفها وحكمها فيها، وإلاّ ضعفت وكَلَّت عن موافقتها، فتنقطع الروح عن السلوك إلى الله. هـ. قلت : وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم :" لا يكن أحدكم كالمنبت، لا أرضاً قطع، ولا ظهراً أبقى " ٢ وإن الله لعفو غفور لمَن وقع له شيء من هذا ورجع.
والذين يُظاهرون من نسائهم، يُباعدون من أنفسهم، ثم يعودون إلى الترفُّق بها والاستمتاع بما أحلّ الله لها، فكفارته تحرير رقبةً مِن ملك الشهوة، فلا يتناول شيئاً من المباحات الطيبة، إلاّ بنية التقرُّب إلى الله والشكر، لا بنية مجرد الاستمتاع، ولا يتناول من الشهوات التي شرهت إليها النفس، وحرصت على تحصيلها قبل حصولها، شيئاً قط، فإن لم يقدر عليها على هذا النمط، فعليه صيام شهرين أو أكثر، مجاهدةً ورياضةً، حتى تقف على حد الضرورة، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً أو أكثر، بكل ما يدخل عليه من الحظوظ. وقال القشيري : وإن لم يقدر على تحرير رقبته على هذا الارتباط ؛ فيجب على الروح أن تصوم شهرين متتابعين، يعني يمسك نفسَه عن الالتفات إلى الكونين على الدوام والاستمرار، من غير تخلُّل التفات، وإن لم يتمكن مِن قطع هذا الالتفات، لبقية من بقايا أنانيته، فيجب عليه إطعام ستين مسكيناً من مساكين القوى الروحانية، المستهلك لسلطنة النفس وصفاتها، ليقيمهم على التخلُّق بالأخلاق الإلهية، والتحقق بالصفات الروحانية. هـ. ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله الإيمان الكامل، وتلك حدود الله لا يجوز تعدِّيها بالأهوية والبدع، وللكافرين لهذا الحكم عذاب البُعد ونار القطيعة، المؤلم للروح والقلب، بغم الحجاب وسوء الحساب.


الإشارة : الذين يباعدون من أنفسهم، فيُحرِّمون عليها التمتُّع بما أحلّ الله من الطيبات، تضييقاً وتشديداً عليها، مفْرطين في ذلك، محتجين لذلك بأنهم كانوا في بطن الشهوات، فقد ملكتهم ملك الأم لولدها، قال تعالى :" ما هن أمهاتِهم إنْ أُمهاتهم إلاّ اللائي ولدنهم، وإنهم ليقولون مُنكراً من القول وزوراً " حيث حرّموا ما أحلّ الله، والمراد بذلك الإفراط المؤدي إلى التلف. قال القشيري : لأنّ النفس مطية الروح، فلا تسلك طريق السير إلاّ بها، وهي مددها ومعونتها، كما قال عليه السلام :" إنّ لنفسك عليك حقاً " ١ فلا بد للروح من مسامحة النفس ومداراتها في بعض الأوقات، لتميل النفس إلى تصرفها وحكمها فيها، وإلاّ ضعفت وكَلَّت عن موافقتها، فتنقطع الروح عن السلوك إلى الله. هـ. قلت : وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم :" لا يكن أحدكم كالمنبت، لا أرضاً قطع، ولا ظهراً أبقى " ٢ وإن الله لعفو غفور لمَن وقع له شيء من هذا ورجع.
والذين يُظاهرون من نسائهم، يُباعدون من أنفسهم، ثم يعودون إلى الترفُّق بها والاستمتاع بما أحلّ الله لها، فكفارته تحرير رقبةً مِن ملك الشهوة، فلا يتناول شيئاً من المباحات الطيبة، إلاّ بنية التقرُّب إلى الله والشكر، لا بنية مجرد الاستمتاع، ولا يتناول من الشهوات التي شرهت إليها النفس، وحرصت على تحصيلها قبل حصولها، شيئاً قط، فإن لم يقدر عليها على هذا النمط، فعليه صيام شهرين أو أكثر، مجاهدةً ورياضةً، حتى تقف على حد الضرورة، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً أو أكثر، بكل ما يدخل عليه من الحظوظ. وقال القشيري : وإن لم يقدر على تحرير رقبته على هذا الارتباط ؛ فيجب على الروح أن تصوم شهرين متتابعين، يعني يمسك نفسَه عن الالتفات إلى الكونين على الدوام والاستمرار، من غير تخلُّل التفات، وإن لم يتمكن مِن قطع هذا الالتفات، لبقية من بقايا أنانيته، فيجب عليه إطعام ستين مسكيناً من مساكين القوى الروحانية، المستهلك لسلطنة النفس وصفاتها، ليقيمهم على التخلُّق بالأخلاق الإلهية، والتحقق بالصفات الروحانية. هـ. ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله الإيمان الكامل، وتلك حدود الله لا يجوز تعدِّيها بالأهوية والبدع، وللكافرين لهذا الحكم عذاب البُعد ونار القطيعة، المؤلم للروح والقلب، بغم الحجاب وسوء الحساب.

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير