ﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖ

تمهيد :
هذا الجزء في معظمه توجيهات إلهية للأمة المسلمة، وهذه السورة مشتملة على هذه التوجيهات، مبينة لرقابة الله العلي القدير، وسمعه ومشاهدته ومحاسبته، وتلبيته لدعاء امرأة من عوام الناس كانت تشكو إلى الله تعالى حالها، بعد أن ظاهر زوجها منها، وحرمها على نفسه، كما حرمت عليه أمه، وقد لامه القرآن على هذا العمل، وبين أنه منكر وزور، فالزوجة أحل الله لزوجها جماعها والاستمتاع بها كزوجة، والأم حرم الله زواجها.
ثم ترسم الآيات طريق الحل الذي وقع في هذا المنكر، ويتمثل فيما يأتي على الترتيب :

١-
عتق رقبة، أي إعتاق عبد أو أمة.

٢-
صيام ستين يوما متتابعة، قبل أن يخالط زوجته مخالطة الأزواج.

٣-
إطعام ستين مسكينا.
وهذه الأمور الثلاثة على الترتيب، فإذا كان لا يستطيع إعتاق عبد لعدم وجود الرق، فإنه مكلف بصيام ستين يوما متتابعة، فإذا كان لا يستطيع ذلك، فإن عليه أن يطعم ستين مسكينا. وهذه العقوبة ليرتدع الناس عن الحلف بالظهار، ويتوبوا عن إيقاع الظهار على زوجاتهم، ويلتزموا بهدى الله وتنفيذ ما أمر به.
سبب النزول
جاء في مختصر تفسير ابن كثير، تحقيق محمد على الصابوني، ما يأتي :
روى الإمام أحمد، عن خولة بنت ثعلبة، قالت : في والله وفي أوس بن الصامت أنزل صدر سورة المجادلة، قالت : كنت عنده، وكان شيخا كبيرا قد ساء خلقه، قالت : فدخل علي يوما فراجعته بشيء فغضب، فقال : أنت علي كظهر أمي، قالت : ثم خرج فجلس في نادي قومه ساعة، ثم دخل علي، فإذا هو يريدني عن نفسي، قالت : قلت : كلا والذي نفس خولة بيده لا تخلص إلى وقد قلت ما قلت حتى يحكم الله ورسوله فينا بحكمه، قالت : فواثبني فامتنعت بما تغلب به المرأة الشيخ الضعيف، فألقيته عني، قالت : ثم خرجت إلى بعض جاراتي فاستعرت منها ثيابا، ثم خرجت حتى جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلست بين يديه، فذكرت له ما لقيت منه وجعلت أشكو إليه ما ألقى من سوء خلقه، قالت : فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" يا خولة، ابن عمك شيخ كبير فاتقي الله فيه "، قالت : فو الله ما برحت حتى نزل فيّ قرآن، فتغشى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان يتغشاه، ثم سُري عنه فقال لي :" يا خولة، قد أنزل الله فيك وفي صاحبك قرآنا ". ثم قرأ علي : قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ . إلى قوله تعالى : وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ . قالت : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" مريه فليعتق رقبة "، قالت : فقلت : يا رسول الله، ما عنده ما يعتق، قال :" فليصم شهرين متتابعين "، قالت : فقلت : والله إنه لشيخ كبير ما به من صيام، قال :" فليطعم ستين مسكينا وسقا من تمر "، قالت : فقلت : والله يا رسول الله ما ذاك عنده، قالت : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" فإنا سنعينه بعرق من تمر "، قالت : فقلت : يا رسول الله، وأنا سأعينه بعرق آخر، قال :" قد أصبت وأحسنت، فاذهبي فتصدقي به عنه، ثم استوصي بابن عمك خيرا ". قالت : ففعلتiii

هذا هو الصحيح في سبب نزول هذه السورة :

قال ابن عباس : أول من ظاهر من امرأته ( أوس بن الصامت ) أخو عبادة بن الصامت وامرأته خولة بنت ثعلبة بن مالك، فلما ظاهر منها خشيت أن يكون ذلك طلاقا، فأتت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله، إن أوسا ظاهر مني، وإنا إن افترقنا هلكنا، وقد نثرت بطني منه وقدمت صحبته، وهي تشكو ذلك وتبكي، ولم يكن جاء في ذلك شيء، فأنزل الله تعالى : قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ... إلى قوله تعالى : وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ . فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :" أتقدر على رقبة تعتقها " ؟ قال : لا والله يا رسول الله ما أقدر عليها، قال : فجمع له رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أعتق عتقه، ثم راجع أهلهiv.
المفردات :
ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله : ذلك التغليظ في الكفارة لكي تعلموا بشرائع الله التي شرعها، فلا تعودوا إلى الظهار الذي هو من شرائع الجاهلية.
حدود الله : أحكام شريعته التي لا يحل تركها.
للكافرين : الذين يتعدون الأحكام ولا يعملون بها.
التفسير
٤- فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ .
تفيد الآيات ما يأتي :
من قال لامرأته : أنت علي كظهر أمي، ثم ندم ورغب في الرجوع إلى الحياة الزوجية مع زوجته، فعليه كفارة بفعل واحدة من ثلاث على الترتيب :
أولا : عتق رقبة، فإن عجز عن ذلك – كما في هذه الأيام لعدم وجود أرقاء أصلا – انتقل إلى الكفارات الأخرى.
ثانيا : صيام ستين يوما متتابعة من قبل أن يجامع زوجته.
ثالثا : إذا عجز عن الصيام، فإنه يطعم ستين مسكينا طعاما مشبعا كافيا.
وهذه الأمور على الترتيب، فلا يلجأ إلى الصيام إلا عند العجز عن عتق رقبة، ولا يلجأ إلى الإطعام إلا عند العجز عن صيام ستين يوما متتابعة، فإذا عجز عن الصيام أطعم ستين مسكينا إطعاما مشبعا.
وذهب الشافعي وغيره إلى أنه يكفيه إعطاء مد واحد لكل مسكين، ورأى أبو حنيفة جواز إعطاء مد واحد لكل مسكين، ورأى أبو حنيفة جوز إعطاء القيمة، بل هي أفضل إذا كانت أنفع للفقير.
ويمكن تقدير قيمة إطعام الفقراء التي قدرها العلماء بخمسة جنيهات عن كل فرد في شهر رمضان سنة ١٤٢١ ه، فنقول : يعطي لستين مسكينا، كل مسكين منهم خمسة جنيهات، أو ما يعادلها، فمن تطوع خيرا فهو خير له، بأن يضاعف القيمة إذا كان من أهل اليسر، فيعطي لكل مسكين ١٠ جنيهات*٦٠=٦٠٠ جنيه ( ستمائة جنيه )، مقدار الكفارة للمظاهر من زوجته.
ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ .
لقد شددنا العقوبة حتى يرتدع المتلاعبون بحرمات الله، وتكون هذه العقوبة رادعا للمعتدين، ليعودوا إلى طريق الإيمان بالله ورسوله، واحترام أوامر الشرع، والالتزام بآداب الدين، وهذه حدود الله وأحكامه الفاصلة بين الحق والباطل، فالزموها وقفوا عندها، ومن استهان بحدود الله، وصد عن شرائعه، وكفر بهديه، فله عذاب أليم موجع في الآخرة.
وإطلاق لفظ الكافرين على المتعدي على حدود الله للزجر والردع.
كما قال سبحانه وتعالى : ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين. ( آل عمران : ٩٧ ).
في أعقاب الآيات
في هذه الآيات الكريمة تكريم المرأة، ورفع لغبن الجاهلية عنها، حيث نهى القرآن عن الظهار واعتبره منكرا وزورا، ثم سجل عقوبة كبيرة على قائله، ليرده إلى حظيرة الإيمان، ولم تكن الآيات أحكاما شرعية فحسب، وإنما ضمت إلى ذلك تكريم المرأة وإنصافها، واستجابة السماء لها، ولا عجب إذ رأينا الخلفاء يكرمون المرأة، ويستمعون لشئونها ويلبون طلبها، ويكرمون خولة بنت ثعلبة، ويقولون : قد سمع الله تعالى لها.
من التفسير الوسيط بإشراف مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، وتفسير ابن كثير :
روى ابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء والصفات : أن خولة بنت ثعلبة رأت عمر رضي الله عنه وهو يسير مع الناس، فاستوقفته، فوقف لها ودنا منها وأصغى إليها ووضع يده على منكبيها حتى قضت حاجتها وانصرفت، فقال له رجل : يا أمير المؤمنين، حبست رجال قريش على هذه العجوز، قال : ويحك، أتدري من هذه ؟ قال : لا، قال : هذه امرأة سمع الله لشكواها من فوق سبع سماوات، هذه خولة بنت ثعلبة، والله لو لم تنصرف حتى أتى الليل ما انصرفت حتى تقضي حاجتها. v
وفي رواية أخرى : أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه والناس معه على حمار، فاستوقفته طويلا ووعظته، وقالت : يا عمر، قد كنت تدعى عميرا، ثم قيل لك : عمر، ثم قيل لك : يا أمير المؤمنين، فاتق الله يا عمر، فإنه من أيقن بالموت خاف الفوت، ومن أيقن بالحساب خاف العذاب – وهو واقف يسمع كلامها – فقيل له : يا أمير المؤمنين، أتقف لهذه العجوز هذا الوقوف ؟ فقال : والله لو حبستني من أول النهار إلى آخره لازلت إلى الصلاة المكتوبة، أتدرون من هذه العجوز ؟ هي خولة بنت ثعلبة، سمع الله قولها من فوق سبع سماوات، أيسمع رب العالمين قولها ولا يسمعه عمر ؟ vi

تفسير القرآن الكريم

عرض الكتاب
المؤلف

شحاته

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير