فمن لم يجد الرقبة ولا يقدر على اكتسابها بالشراء إما بفقد قيمتها أو بفقد رقبة ممكن تملكها بالشراء أو لكون ماله مشغولا بالدين أو محتاجا إليه لنفقته أو لنفقة عياله عند أبي حنيفة والشافعي وأحمد خلافا لمالك والأوزاعي فعندهما من ملك قيمة رقبة يمكنه شراءها يلزمه الإعتاق، وإن كانت قيمة مشغولة بدينه أو محتاجا إليه ولنفقته ولا يجوز له الانتقال إلى الصوم لنا : أنه مشغول بحاجته الأصلية فكأنه ليس في ملكه مسألة ومن كانت له رقبة لكنه محتاج إلى خدمته فعند الشافعي وأحمد له أن ينتقل إلى الصوم اعتبارا بالماء المعد للعطش يجوز له التيمم والمال المشغول بالدين وعندنا يلزمه الإعتاق ولا يجوز الانتقال إلى الصوم، والفرق لنا أن الماء مأمور بإمساكه لعطشه واستعماله محظور عليه وكذا الدين مأمور بإدائه بخلاف الخادم فإنه غير مأمور بإمساكه لخدمته. مسألة : المعتبر اليسار والعسار وقت التكفير أي الأداء وبه قال مالك أحمد والظاهرية وقت الوجوب وللشافعي أقوال كالقولين والثالث يعتبر أغلظ الحالين فصيام شهرين أي فعليه صيام شهرين ليس فيها رمضان ولا يوم الفطر والنحر وأيام التشريق لأن صوم رمضان لا يقع من الظهار لما فيه من إبطال ما أوجبه الله، وصوم الأيام المنهية لا ينوب عن الوجوب الكامل وقد قيد الله تعالى : متتابعين من قبل أن يتماسا فإن فات التتابع بعذر أوبلا عذر يجب الاستئناف إجماعا وإن وطئ المظاهر في خلال الشهرين ليلا عامدا أو نهارا ناسيا لا يجب الاستئناف عند الشافعي وأبي يوسف رحمهما الله تعالى وهي رواية عن أحمد لعدم فوات التتابع وهو الشرط وإن كان تقديمه على المسيس شرطا ففي عدم الاستئناف تقديم البعض وفي الاستئناف تأخير الكل عنه، وقال أبو حنيفة ومالك وأحمد في أظهر رواية يستأنف لأن الشرط في الشرط في الصوم أن يكون قبل المسيس وأن يكون خاليا عن الجماع فيستأنف فمن لم يستطع الصيام لمرض أو كبر أو فرط شهوة لا يصبر عن الجماع أو خوف حدوث مرض فإطعام ستين مسكينا كل مسكين مدان عند أهل العراق وهو نصف صاع من أي جنس كان، قال البغوي يروي ذلك عن عمر وعلي وعند أبي حنيفة نصف صاع من بر أو صاع من شعير أو تمر وهو قول الشعبي والنخعي وسعيد ابن جبير والحاكم ومجاهد والكرخي بإسناده إلى مجاهد أنه قال كل كفارة في القرآن فهو نصف صاع من بر، وقال مالك مد وهو رطلان بالبغدادي وقال أحمد مد البغدادي من حنطة أو دقيق ومدان من شعير أو تمر ورطلان من خبز أي خبز حنطة وقال الشافعي مد بمد النبي صلى الله عليه وسلم وهو رطل وثلث رطل من غالب قوت البلد روى ابن الجوزي في التحقيق بسنده عن سليمان بن يسار قال أدركت الناس وهم يعطون في طعام المساكين مدا مدا ويروى أن ذلك يجزئ عنهم، والحجة لأبي حنيفة ما مر من حديث سلمة ابن صخر وفيه ( أطعم منك وسقا من تمر ستين مسكينا ) لكن الحديث منقطع كما ذكرنا وقد روى الترمذي من حديث أبي سلمة أن سلمة ابن صخر البياضي جعل امرأته كظهر أمه حتى يمضي رمضان الحديث وفيه قال أطعم ستين مسكينا، قال لا أجد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعروة ابن عمرو :( أعطه الفرق ) ١ وهو مكتل يأخذ خمسة عشر صاعا أو ستة عشر صاعا من كلام الراوي والمرفوع إنما هو أعطه الفرق والفرق في اللغة الزنبيل سواء كان صغيرا أو كبيرا، وعند الطبراني في حديث أوس ابن الصامت قال فأطعم ستين مسكينا ثلاثين صاعا، قال لا أملك ذلك إلا أن تعينني فأعانه النبي صلى الله عليه وسلم بخمسة عشر صاعا وأعانه الناس حتى بلغ ثلاثين صاعا، وروى أبو داود عن خولة بنت مالك قالت ظاهر مني زوجي أوس ابن الصامت فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم أشكو إليه ورسول الله صلى الله عليه وسلم يجادلني فيه ويقول اتقي الله في ابن عمك فما برحت حتى نزل القرآن : قد سمع الله قول التي تجادلك الآية فقال يعتق رقبة، فقلت لا يجد فقال يصوم شهرين متتابعين، قلت يا رسول الله إنه شيخ كبير ما به من صيام فقال فيطعم ستين مسكينا قلت ما عنده شيء يتصدق به قال فإني سأعينه بفرق من تمر قلت يا رسول الله وإني سأعينه بفرق من تمر قلت يا رسول الله إني سأعينه بفرق آخر قال قد أحسنت فاذهبي فأطعمي هما عنه ستين مسكينا وارجعي إلى ابن عمك، قال والفرق ستون صاعا وقيل هو مكتل يسع ثلاثين صاعا٢ قال أبو داود وهذا أصح. قال ابن همام وجه الأصحية أنه لو كان ستون لم يحتج إلى معاونتها بفرق أخرى في الكفارة واحتج الشافعي ومن معه بحديث أبي هريرة في كفارة الصوم جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم أفطر في رمضان الحديث قال فأتى بفرق قدر خمسة عشر صاعا قال كله أنت وأهلك وصم يوما واستغفر الله رواه أبو داود من طريق هشام ابن سعد عن أبي سلمة ابن عبد الرحمان عنه وهشام ابن سعد ضعفه النسائي وغيره ورواه أبو داود من حديث إسماعيل قال واقعت امرأتي الحديث، وفيه قال خمسة عشر صاعا وكذا وقع في رواية ابن أبي حفص ومؤمل قال البخاري منكر الحديث لكن قال الذهبي ومحمد ابن أبي حفصة أبو سلمة ضعفه النسائي وغيره وقواه غير واحدة في رواية حجاج ابن أرطأة عن الزهري عند الدارقطني بخمسة عشر صاعا فقال أطعمه ستين مسكينا وحجاج بن أرطأة ضعيف مدلس وروى عبد الله ابن أحمد عن أبيه عن يحيى أنه لم ير الزهري ويؤيد هذا الحديث حديث علي رضي الله عنه عند الدارقطني يطعم ستين مسكينا لكل مسكين مد، وفيه فإن بخمسة عشر صاعا فقال أطعمه ستين، قلنا : قال البخاري في الحديث اضطراب ففي بعض الروايات خمسة عشر صاعا وعند ابن خزيمة من طريق مهران خمسة عشر أو عشرون في الصحيحين ذكر حديث أبي هريرة وليس فيه تقدير الصيعان بل فيه أتى بفرق فيه تمر والفرق المكتل الضخم وفي مرسل سعيد ابن المسيب ما بين خمسة عشر إلى عشرين وفيه عطاء الخراساني ذكره العقيلي في الضعفاء وقال البخاري عامة أحاديث مقلوبة وفي بعض الروايات عشرون صاعا بالجزم كذا عند الدارمي في مرسل سعيد ابن المسيب وفي حديث عائشة عند ابن حزيمة أتى بفرق فيه عشرون صاعا وهذه الأحاديث الواردة في كفارة الصوم ما احتج به أبو حنيفة وارد فيما نحن فيه. والشافعي رحمه الله تعالى ذهب إلى أقل ما ورد في مقدار الطعام احتياطا ولكن أصح ما ورد في تقدير طعام المسكين حديث كعب ابن عجرة الذي ذكرناه في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى : فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ٣ رواه الشيخان في الصحيحين وفيه أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطعم فرقا بيت ستة مساكين أو يهدي شاة أو يصوم ثلاثة أيام والفرق ثلاثة أصوع، وفي هذا الحديث عند الطبراني لكل مسكين نصف صاع تمر ولأحمد عن نهر نصف صاع ولبشر ابن عمر عن شعبة نصف صاع حنطة ورواية الحكم عن ابن أبي ليلى يقتضي نصف صاع من زبيب فإنه قال يطعم فرقا من زبيب بين ستة مساكين قال ابن حزم لا بد من ترجيح إحدى الروايات لأنها قصة واحدة في مقام واحد، قال الحافظ : المحفوظ عن شعبة نصف صاع من طعام والاختلاف على كونه تمر أو حنطة لعله من تصرف الرواة أما الزبيب فلم أره إلا في رواية الحكم وقد أخرجها أبو داود وفي إسناده أبو إسحاق وهو في المغازي لا في الأحكام إذا خالف، وقيل المحفوظ رواية التمر فقد وقع الجزم بها عند مسلم من طريق أبي قلابة ولم يختلف فيه على أبي قلابة وكذا أخرج الطبراني من طريق الشعبي عن كعب وقال الحافظ وما وقع في بعض النسخ عند مسلم لكل مسكين صاع تحريف فمن دون مسلم والصواب ما في النسخ الصحيحة لكل مسكين نصف صاع، ولما كان الإطعام في الآية مجملا في مقدار الواجب وما ورد من الأحاديث في باب الظهار والصوم مضطربة في المقدار فالحمل على هذا الحديث الصحيح المتفق عليه أولى من الحمل على صدقة الفطر فإن الأمر فيه بالأداء دون الإطعام فعلى هذا مذهب أهل العراق أقوى ومذهب أبي حنيفة أحوط والله تعالى أعلم.
مسألة
لو غداهم وعشاهم أكلتين مشبعتين بخبز حنطة ولو بغير إدام أو بخبز شعير بإدام سواء كانت غداء وعشاء أو غداءين أو عشائين بعد اتحاد ستين جاز ولو غدا ستين وعشا آخرين لم يجز ولو كان ممن أطعم صبيا فطيما أو رجلا شبعان لم يجز، ويشترط الإشباع قليلا أكلوا أو كثيرا ولا يشترط التمليك خلافا للشافعي ولو أعطى مسكينا واحدا ستين يوما جاز عند أبي حنيفة خلافا للجمهور، وقد مرت المسائل اختلافا واستدلالا في كفارة اليمين في سورة المائدة.
فائدة
لم يذكر الله تعالى قيد من قبل أن يتماسا في الإطعام كما ذكر في أخويه ومن هاهنا قال أبو حنيفة أنه جامع المظاهر التي ظاهر منها في خلال الإطعام لا يجب عليه الاستئناف لأن الله سبحانه ما شرط في الإطعام أن يكون قبل المسيس ونظر إلى عدم تقييد الإطعام بقبلية المسيس، قال مالك إنه من أراد التكفير بالإطعام جاز له الوطء، والجمهور على أنه لا يجوز له ذلك والوطء قبله، الجمهور على أن ذلك الوطء قبل التكفير حرام مطلقا لأن الظهار موجب للحرمة والكفارة سبب لإزالة الحرمة فما لم توجد الكفارة لا يحل له الوطء سواء كانت بالإطعام أو غير ذلك لعموم قوله صلى الله عليه وسلم فاعتزلها حتى تكفر فيها، روى أصحاب السنن الأربعة عن ابن عباس رضي الله عنه أن رجلا ظاهر من امرأته فوقع عليها قبل أن يكفر فقال عليه السلام ما حملك على هذا ؟ قال رأيت خلف لها في ضوء القمر، وفي لفظ بياض ساقيها قال ( فاعتزلها حتى تكفر ) ٤ قال الترمذي حديث حسن صحيح غريب قال المنذر رجاله ثقات مشهور سماع بعضهم عن بعض، قال البغوي الإطلاق في الطعام محمول على المقيد في العتق والصيام وهذا مبني على أصلهم من حمل المطلق على المقيد قلت قوله تعالى من قبل أن يتماسا في الإعتاق والصيام ليس شرطا لجواز الكفارة وإلا لزم أن من جامع امرأته بعد الظهار قبل الكفارة ثم كفر بعد فلك لا يجوز كفارته ولا تحل له المرأة بل هو بيان لحرمة الوطء قبل الكفارة ولعله سبحانه ترك القيد بعد الإطعام حذرا من التطويل واكتفاء بما سبق في أخويه ولم يقتصر على أحدهما الدفع توهم اختصاصه بالخصلة الأولى لو اقتصر عليها معها وتوهم اختصاصه لو اقتصر معها فذكره مرتين تنبيه على إرادة تكريره مطلقا والله تعالى أعلم.
مسألة
لو جامع المظاهر قبل التكفير استغفر الله لوقوعه في الحرم ويكفر بعد ذلك ليحصل له الحل بعد ذلك، وترتفع الحرمة الثابتة بالظهار ولا يجب عليه بالجماع قبل التكفير كفارة أخرى وقال بعض أهل العلم، يجب عليه كفارتان لنا ما مر من حديث سلمة ابن صخر أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها بكفارة واحدة بعدما جامعها قبل التكفير وحديث ابن عباس مثل ذلك، وروى الترمذي وابن ماجه حديث سلمة ابن صخر عن النبي صلى الله عليه وسلم في مظاهر بواقع قبل أن يكفر قال :( كفارة واحدة ) ٥ وقال الترمذي حديث حسن غريب، وقال مالك في الموطأ فيمن يظهر ثم يمسها قبل أن يكفر يكف عنها حتى يستغفر الله ويكفر ثم قال وذلك أحسن ما سمعت ذلك منصوب بفعل مقدر أي بينا ذلك الأحكام لتؤمنوا بالله ورسوله ذكر الله سبحانه الإيمان وأراد به شراءه كما في قوله تعالى : وما كان ليضيع إيمانكم ٦أي صلاتكم يعني لتعلموا بشرائع الإسلام ترفضوا ما كنتم عليه في الجاهلية وتلك الكفارات حدود الله يمتنع بها المكلف عن
٢ سورة البقرة الآية ١٩٦.
٣ أخرجه أبو داود في كتاب: الطلاق باب: في الظهار: ٢٢٢٠}.
٤ أخرجه الترمذي في كتاب: الطلاق واللعان باب: ما جاء في عدة المتوفي عنها زوجها ١١٩٥}.
٥ الآية هي وما كان الله ليضيع إيمانكم سورة البقرة الآية ١٤٣}.
٦ سورة آل عمران الآية: ٩٧.
التفسير المظهري
المظهري