لغير عذر شرعي فإنه يقطع التتابع ويعيد من الأول، وهذا الصيام من قبل أن يتماسا كما في الكفارة، فمن لم يستطع فعليه إطعام ستين مسكينا من قبل أن يتماسا، لكل مسكين مد، وقيل: بل أكثر من المد «١»، والمراد إشباع ستين مسكينا يوما بغالب قوت البلد.
ذلك الذي وصفناه من التغليظ في الكفارة لتكونوا مطيعين لله تعالى، واقفين عند حدود الشرع لا تتعدوها، لئلا تعودوا للظهار الذي هو منكر شرعا وزور وبهتان، إذ فيه انفصام عرى الزوجية، والشرع حريص كل الحرص عليها، وسمى التكفير إيمانا لأنه طاعة، وتلك حدود الله التي تبين معصيته من طاعته، فالظهار معصية بلا شك والكفارة له طاعة، وللكافرين بأحكام الشرع عذاب أليم في جهنم.
الله بكل شيء محيط [سورة المجادلة (٥٨) : الآيات ٥ الى ٧]
إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ (٥) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٦) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧)
المفردات:
يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ: يعادونهما ويشاقونهما لأن كلا من المتعادين يكون في حد وجهة. كُبِتُوا: أهينوا وذلوا. نَجْوى المراد: التناجي، أى:
المسارة، مأخوذ من النجوة: وهي ما ارتفع من الأرض لأن المتسارين يخلوان بنجوة من الأرض.
المعنى:
أن الذين يحادون الله ورسوله، ويعادونهما بمخالفتهما، واتخاذ حدود غير حدودهما، وأحكام غير أحكامهما، هؤلاء كبتوا وأذلوا، وسيجزيهم الله خزيا مؤكدا، كما أذل من قبلهم من الكفار وأخزاهم، والحال أنا قد أنزلنا آيات بينات واضحات في من حاد الله ورسوله من الأمم قبلهم، وفيما فعلنا بهم، وللكافرين بتلك الآيات- ويدخل معها آيات القرآن من باب أولى- عذاب مهين يذهب بعزهم وكبرهم يوم يبعثهم الله جميعا بحيث لا يبقى منهم أحد، فينبئهم بما عملوا من القبائح.
كيف ينبئهم بأعمالهم كلها؟ الجواب: أحصاه الله تعالى عددا، ولم يفته- سبحانه- منه شيء، والحال أنهم قد نسوه، والله على كل شيء شهيد، لا يغيب عنه أمر من الأمور.
هذا استشهاد آخر على شمول علمه، ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم، بمعنى ما يقع من تناجى ثلاثة أو مسارة بينهم إلا كان الله رابعهم فيعلم نجواهم كما لو كان رابعهم في التناجي، ولا تكون النجوى بين خمسة إلا هو سادسهم، ولا أدنى من ذلك عددا، ولا أكثر إلا هو معهم بذاته علما وإحاطة أينما كانوا، ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة، ويجازيهم عليه، إن الله بكل شيء عليم، وهذا تذييل محكم.
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي