ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂ

أي: على كل شيء من الإحصاء والحفظ وغير ذلك شهيد.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧).
فإن كان هذا الخطاب لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يكون فيه دلالة رسالته أن أطلعه على ما أسروا فيما بينهم من المكر برسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وأصحابه، وتناجوا بينهم من الكيد والخداع، أطلع اللَّه - تعالى - رسوله على ذلك؛ ليعلم أنه باللَّه علم ذلك.
والثاني: بشارة له بالنصر والمعونة، وهو كقوله - تعالى - لموسى وهارون - عليهما السلام -: (لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى)، أي: أسمع ما يقول لكما وما يجيب، أو أرى ما قصد بكما، وأدفع عنكما ما قصد بكما؛ فعلى ذلك ما ذكر له: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ) فيطلعك على ما هموا بك وأسروا فيك، فينصرك ويدفع عنك كيدهم.
وجائز أن يكون الخطاب ليس لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - خاصة؛ ولكن لكل في نفسه؛ فيصير كأنه قال: ألم تر إلى عجائب ما أنشأ من السماوات والأرض قبل إنشاء أهلها فيهما، فإذا رأيت عجائب ما أنشأ من السماوات والأرض وأهلهما، وعلمت ذلك فاعلم أنه بما يكون ومن نجواهم، فيما ذكر عالم؛ فيخرج على التنبيه والزجر عن الإسرار والنجوى.
ثم قوله: (رَابِعُهُمْ)، و (سَادِسُهُمْ)، و (مَعَهُم) ونحوه يجب أن ينظر إلى المقدم من الكلام؛ فيصرف قوله: (هُوَ مَعَهُم) إلى ذلك، نحو قوله (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا)، (وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ)، ونحوه - يكون معهم في التوفيق والمعونة لهم والنصر؛ فعلى ذلك ما ذكر من قوله: هو معهم في النجوى وما أسروا فيما بينهم، أي: شاهد معهم حافظ عليهم، يدفع عنكم كيدهم ومكرهم وينصركم، واللَّه أعلم.
وقوله: (ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ).
أي: ينبئهم بما تناجوا وأسروا من الكيد يوم القيامة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٨).
هذا الخطاب لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يقول: اعلم أن الذين نهوا عن النجوى، (ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ...) الآية.
وفيه دلالة إثبات الرسالة؛ لأنه أخبر أنهم عادوا إلى ما نهوا عنه وهو النجوى، ومعلوم أنهم لا يعودون إلى ما نهوا عنه بحضرة أصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ولكن عند غيبة منهم؛ دل أنه باللَّه علم.

صفحة رقم 567

ثم اختلف في سبب تلك النجوى:
قَالَ بَعْضُهُمْ: إنه كان بين اليهود وبين النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - موادعة، فإذا وجد رجل من المسلمين وحده يتناجون بقتله بينهم، أو يظن المسلم أنهم يتناجون بقتله أو بما يكره؛ فيترك الطريق من المخافة، فبلغ ذلك رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فنهاهم عن النجوى، فلم ينتهوا، وعادوا إلى النجوى؛ فنزل ما ذكر.
ومنهم من قال: إن أصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كانوا إذا خرجوا من عند رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قام أناس من اليهود وأناس من المنافقين يتناجون فيما بينهم دون المؤمنين، وينظرون نحو واحد منهم، فإذا رآهم ينظرون نحوه، قال: ما أظن هَؤُلَاءِ إلا قد بلغهم خبر أقربائي الذين بعثهم رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في السرايا من قتل أو موت؛ فيقع في قلبه من ذلك ما يحزنه، فلا يزال كذلك حتى يقدم حميمه من تلك السرية.
لكن الأولى عندنا السكوت عن ذكر هذا وأمثاله؛ لأنه خرج مخرج الاحتجاج وجعله آية عليهم؛ فيجوز أن يكون على خلاف ما ذكر؛ فيوجب الكذب في الخبر؛ فالإمساك عنه أحق.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ).
ذكر أنهم كانوا إذا أتوا رسول اللَّه يقولون: السام عليك يا مُحَمَّد؛ فيجيبهم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ويرد عليهم ويقول: عليكم. ففيه دلالة رسالته؛ لأنهم حيوه شرًّا منه، فأطلعه اللَّه - تعالى - على ما أسروا، وكذلك ما قال: (وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ): هلا يعذبنا اللَّه بما نقول في السر فيه دلالة الرسالة؛ لأنه معلوم أنهم قالوا ذلك سرا في أنفسهم، فأطلع اللَّه - تعالى - رسوله على ما في أنفسهم، ففيه أنه باللَّه - تعالى - عرف أذلك.
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ - خبرا عنهم: (لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ).
جائز أن يكون من رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لهم وعيد بالتعذيب؛ لأجل التناجي الذي كان فلما تأخر ذلك عنهم قالوا عند ذلك: إنه لو كان رسولًا على ما يقوله لعذبنا على ما قال ووعد، لكن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - إن كان وعد لهم العذاب لم يبين متى يعذبون، فعذابهم ما ذكر حيث قال: (حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ)، واللَّه أعلم.

صفحة رقم 568

تأويلات أهل السنة

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي

تحقيق

مجدي محمد باسلوم

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت، لبنان
سنة النشر 1426
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 10
التصنيف التفسير
اللغة العربية