ﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕ

ويعود الحق بعد ذلك إلى قضية الطعام فيقول :
ولا تأكلوا ممّا لم يذكر اسم الله عليه وإنّه لفسق وإنّ الشّياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنّكم لمشركون ( ١٢١ ) :
وهنا يسمي الحق ما لم يذكر اسم الله عليه ب " الفسق " وهو ما تشرحه الآية الأخرى وتبرزه باسم مخصوص :
قل لاّ أجد في ما أوحي إليّ محرّما على طاعم يطعمه إلاّ أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنّه رجس أو فسقا أهلّ لغير الله به.. ( ١٤٥ ) [ سورة الأنعام ]
إذن ف " فسقا " معطوفة على الميتة والدم المسفوح ولحم خنزير، لكنه سبحانه فصل بين المعطوف وهو ( فسقا ) ؛ والمعطوف عليه بحكم يختص بالمعطوف عليه، وهذا الحكم هو الرجس وهكذا أخذت الثلاثة المحرمات الرجس. وعطف عليها ما ذبح وذكر عليه اسم غير الله كالأصنام وهو قد جمع بين الرجس والفسق.
ويقول الحق : وإنّ الشّياطين ليوحون إلى أوليائهم وسبحانه يريد أن يبين لنا أن الفطرة السليمة التي لا يميلها هوى تصل إلى حقائق الخير، ولذلك نجد أن الذين يحثون ويحض بعضهم بعضا على الشر ويعلم بعضهم بعضا بخفاء إنما يأخذون مقام الشيطان بالوسوسة والتحريض على العصيان والكفر ؛ لأن المسألة الفطرية تأبى هذا، وحين يرتكب إنسان موبقة من الموبقات، إنما يلف لها ويتحايل ليصل إلى ارتكاب الموبقة، وقد يوحي بذلك إلى غيره، فيدله على الفساد. ويكون بذلك في مقام الشياطين الذين يوحون إلى أوليائهم بإعلام خفي ؛ لأن الفطرة السليمة تأبى الأشياء الشريرة وتقف أيضا فيها، ولا يجعلها تتقدم إلى الشر إلا الهوى، فإذا ما أراد شيطان من الإنس أو شيطان من الجن أن يزيّن للناس فعلا فهو لا يعلن ذلك مباشرة. إنما يلف ويدور بكلام ملفوف مزين.
وإنّ الشّياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنّكم لمشركون وفي ذلك إشارة إلى قول المشركين : تأكلون ما قتلتم أنتم ولا تأكلون ما قتل الله وأنتم أولى أن تأكلوا ما قتل الله.
... وإن أطعتموهم إنّكم لمشركون ( ١٢١ ) [ سورة الأنعام ]
وكأن مجرد الطاعة لهؤلاء المشركين لون من الشرك ؛ لأن معنى العبادة امتثال وائتمار عابد لمعبود أمرا ونهيا، فإذا أخذت أمرا من غير الله فإنه يخرج بك عن صلب وقلب منهجه سبحانه وبذلك تكون قد أشركت به.

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير