ﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗ

تفسير المفردات : المكانة : الحال التي هم عليها، والدار : هي الدنيا، والمراد بالعاقبة : عاقبة الخير إذ لا اعتداد بعاقبة الشر، لأن الله جعل الدنيا مزرعة الآخرة، وقنطرة المجاز إليها، وأراد من عباده أعمال الخير لينالوا حسن العاقبة.
المعنى الجملي : كان الكلام في الآيات السالفة في تقرير حجة الله على المكلفين الذين بلغتهم الدعوة فجحدوا بها، وأنهم يشهدون على أنفسهم يوم القيامة أنهم كانوا كافرين وأن سنة الله في إهلاك الأمم في الدنيا بجنايتها على أنفسها لا بظلم منه تعالى.
وهنا ذكر وعيد الآخرة وأنه مرتب على أعمال المكلفين لا بظلم منه سبحانه، ولا لحاجة له تعالى إليه، لأنه غني عن العالمين، بل لأنه من مقتضى الحق والعدل، المقرونين بالرحمة والفضل.
ثم تمم الوعيد والتهديد بأمره لرسوله أن ينذرهم بقوله : قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار الإيضاح : قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار أي يا قوم اعملوا على مكانتكم وطريقتكم التي أنتم عليها، إني عامل على مكانتي وطريقتي التي رباني ربي عليها وهداني إليها وأقامني عليها، فسوف تعلمون بعد حين من تكون له العاقبة الحسنى في هذه الدار بتأثير أعماله.
وفي الآية إيماء إلى أن أحوال الأمم مرتبة بحسب أعمالها، وأن أعمالها منبعثة من عقائدها وصفاتها النفسية، وأن عاقبة كل عمل نتيجة حتمية له، إن خيرا فخير وإن شرا فشر.
قال صاحب الكشاف : اعملوا على مكانتكم تحتمل وجهين اعملوا على تمكنكم من أمركم وأقصى استطاعتكم وإمكانكم، أو اعملوا على جهتكم وحالكم التي أنتم عليها، يقال للرجل إذا أمر أن يثبت على حال : على مكانك يا فلان أي اثبت على ما أنت عليه لا تنحرف عنه، إني عامل على مكانتي التي أنا عليها.
والمعنى : اثبتوا على كفركم وعداوتكم فإني ثابت على الإسلام وعلى مصابرتكم، فسوف تعلمون أينا تكون له العاقبة المحمودة.
ثم قال : وهذا طريق من الإنذار لطيف المسلك فيه إنصاف في المقال وأدب حسن مع تضمن شدة الوعد والوثوق بأن المنذر محق والمنذر مبطل اه.
يقصد بذلك رحمة الله : أن في هذا الإنذار إحالة على المستقبل ليتم وعده لرسوله بالنصر والتأييد وليظهر صدق وعيده لأعدائه بقهرهم في الدنيا بحيث يرونه بأعينهم، وإذا صدق في الدنيا صدق في الآخرة، وأن كلا منهما كان بإنباء الغيب، وأن السبب الذي لأجله كانت عاقبة الرسول ومن اتبعه الحسنى في الدنيا والآخرة واحد، وكذلك عاقبة من ناوأه وكفر به، وقد أشار إليه بقوله :
إنه لا يفلح الظالمون أي إن الظالمين لأنفسهم بالكفر بنعم الله واتخاذ الشركاء له في ألوهيته والتوجه إليهم فيما يتقرب به إليه تعالى أو فيم لا يطلب إلا منه وهو ما خفيت على المرء أسبابه، إذ مثل هذا لا يدعى فيه إلا الله وحده، ما عرف سبب يجب أن يطلب من طريق السبب، مع العلم بأن خالق الأسباب جميعها هو الله تعالى، وحال الظالمين للناس أشد من حال الظالمين لأنفسهم، وكلهم لا يفوزون بفلاح لا في الدنيا ولا في الآخرة، وإنما يفوز به أهل الحق والعدل الذين يؤدون حقوق الله وحقوق أنفسهم، ولا يكمل مثل هذا إلا لرسل الله وجندهم من المؤمنين.
انظر كيف نصر الله ورسوله على الظالمين من قومه كأكابر مجرمي مكة المستهزئين به ثم من سائر مشركي العرب، ثم نصر أصحابه على أعظم أمم الأرض وأقواها جندا كالرومان والفرس، ثم نصر من بعدهم على من ناوأهم من أهل الشرق والغرب، فلما ظلموا أنفسهم وظلموا الناس لم تبق لهم ميزة عن غيرهم تمكنهم من الفلاح والفوز وانحصر الفوز في الأسباب المادية والأسباب المعنوية كالصبر والثبات والعدل والنظام.
ولا عجب بعد هذا أن يتغلب عليهم غيرهم، لأن الله إنما وعدهم نصره إذا هم نصروه وأقاموا شرعه وسلكوا سبيل الحق والعدل كما قال : فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين١٣ ولنسكننكم الأرض من بعدهم [ إبراهيم : ١٣ ١٤ ].

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير