ﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲ

تفسير المفردات : ويردوهم : أي يهلكوهم بالإغواء، وليلبسوا : أي يخلطوا.
المعنى الجملي : بعد أن حاج سبحانه المشركين وسائر العرب في كثير من أصول الدين وكان آخرها البعث والجزاء ـ ذكر هنا بعض عبادتهم في الحرث والأنعام والتحليل والتحريم يباعث الأهواء النفسية والخرافات الوثنية.
ثم ذكر سبحانه من أعمال الشرك أيضا عملا لا مستند له من عقل ولا شرع فقال : وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم . الإيضاح : وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم أي ومثل ذلك التزيين لقسمة القرابين من الحرث والأنعام بين الله والآلهة زين لكثير من المشركين شركاؤهم سدنة الآلهة وخدمها أن يقتلوا أولادهم. وكان مصدر هذا التزيين وجوها مختلفة منها :
( ١ ) اتقاء الفقر الحاصل أو المتوقع، وقد أشار سبحانه إلى الأول بقوله : ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم [ الأنعام : ١٥١ ] وأشار إلى الثاني بقوله : ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم [ الإسراء : ٣١ ].
( ٢ ) اتقاء العار بوأد البنات أي بدفنهن على قيد الحياة خشية أن يكن سببا للعار أو السباء إذا كبرن، أو خشية أن يقترن بأزواج دون آبائهن في الشرف.
( ٣ ) التدين بنحر الأولاد للآلهة تقربا إليها بنذر أو بغير نذر، فقد كان الرجل في الجاهلية ينذر إن ولد له كذا غلاما لينحرن أحدهم كما حلف عبد المطلب في قصص طويل أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله :( أنا ابن الذبيحين ).
وسمى الله المزينين لهم الشرك من شياطين الإنس كالسدنة، أو شياطين الجن شركاء وإن كانوا هم لم يسموهم لا آلهة ولا شركاء، لأنهم لما أطاعوهم طاعة إذعان وخضوع في التحليل والتحريم ولا يكون ذلك إلا لله سماهم كذلك كما قال : اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله [ التوبة : ٣١ ].
وقد حذر كثير من المسلمين حذو هؤلاء فدعوا غير الله من الموتى تضرعا خضوعا عند قبورهم مع التقرب إليهم بالصدقات وذبائح النسك، ولكنهم لا يسمون عبادتهم هذه شركا ولا عبادة، بل يسمونها توسلا ( والأسماء لا تغير الحقائق والأعمال ) فالدعاء والتضرع أدل على الحقائق من الأسماء والتأويلات.
ثم ذكر سبحانه علة تزيين المنكرات لهم فقال :
ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم أي إنهم زينوا لهم هذه المنكرات ليهلكوهم بالإغواء، ويفسدوا عليهم فطرتهم، فتنقلب عواطف ود الوالدين من رأفة ورحمة إلى قسوة ووحشية، فينحر الوالد ولده ويدفن بنته الضعيفة بيده وهي حية.
والدين الذي لبسوه وخلطوه هو ما كانوا يدعونه من دين إسماعيل وملة إبراهيم عليهما السلام، وقد اختلط عليهم بما ابتدعوه من تقاليد الشرك حتى لم يعرف الأصل الذي كان يتبع من هذه الإضافات التي ضموها إليه.
ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون أي ولو شاء الله أن يخلق الناس مطبوعين على عبادته طبعا لا يستطيعون غيرها كالملائكة، فلا يؤثر فيهم إغواء ولا تجدي فيهم وسوسة ولفعل ولكن شاء أن يخلقهم مستعدين للتأثر بكل ما يرد على أنفسهم من الأفكار والآراء، وما يشاهدون من المحسوسات، واختيار ما يترجح عندهم أنه الخير على ما يقابله، ومن ثم يؤثر في نفوسهم ما يستفيدونه بالتعليم والاختيار والمعاشرة والمخالطة، والناس يتفاوتون في هذا جد التفاوت، فلا يمكن أن يكونوا على رأي واحد أو دين واحد.
فدعهم أيها الرسول وما ينتحلونه من شرائع، وما يفترون من عقائد، وعليك بما أمرت به من التبليغ، والله هو الذي يتولى أمرهم، وله سنن في هداية خلقه لا تتغير ولا تتبدل، ومن سننه أن يغلب الحق الباطل.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير