ليردوهم : ليوقعوهم في هوة الضلال والإثم.
ليلبسوا عليهم دينهم : ليخلطوا ويشوشوا عليهم في دينهم وعقائدهم.
في الآيات إشارة تنديدية إلى بعض عادات وتقاليد كان العرب يمارسونها ويصبغونها بصبغة دينية، فقد كانوا ينذرون شيئا من أنعامهم وزروعهم لله تعالى وشيئا للشركاء الذين كانوا يدعونهم ويعبدونهم معه. وكانوا يحابون بين قسم الله وقسم الشركاء. فإذا ظهر أن الأول أكثر نتاجا أو غلة بدلوا في التقسيم ليكون هذا من قسم الشركاء ولا يفعلون العكس. وكان بعضهم يقتل أولاده بوسوسة الشياطين وتزيينهم. وكانوا ينذرون تحريم أكل بعض الأنعام وغلات الزرع على أناس دون أناس. وينذرون تحريم ركوب بعض الأنعام وتحميلها ولا يذكرون اسم الله على ما يذبحونه منها. وكانوا ينذرون بعض ما في بطون أنعامهم للذكور دون الإناث إذا ولد حيا ويشركون الإناث فيما يولد ميتا. وكانوا يفعلون كل هذا على اعتبار أنها تقاليد دينية مقدسة، ويظنون أنهم في ممارستهم لها إنما يتقربون إلى الله تعالى ليحقق لهم مطالبهم ورغباتهم التي ينذرون نذورهم من أجلها.
وقد نعت الآيات هذه التقاليد والعادات الباطلة، وقررت أن الذين يمارسونها يسيرون وراء وسوسة الشياطين وتزييناتهم وأنهم في نسبتها إلى الله سبحانه يفترون الكذب عليه، وأن كل من يقتل ولده ويحرم ما رزقه الله وينسب ذلك إلى أصل ديني إلهي جهلا أو كذبا هو ضال وليس على حق وهدى.
تعليق على
( تقاليد المشركين في الأنعام والحرث وحجرهما وقتل الأولاد نذرا لله أو لمعبوداتهم )
ولم يرو المفسرون فيما اطلعنا عليه مناسبة خاصة لنزول الآيات التي تبدو فصلا ذا موضوع جديد. وعطفها على ما سبقها وإضمار الفعل في ( وجعلوا ) الذي يعود كما هو واضح إلى أناس كانوا موضوع الحديث في الآيات المعطوف عليها وهم المشركون يجعل الصلة قائمة بينها وبين ما سبقها كما هو المتبادر، بحيث يسوغ القول : إن الآيات جاءت استطرادية للتنديد بالمشركين بسبب ما كانوا يمارسونه من عادات وتقاليد سخيفة يصبغونها بصبغة دينية وينسبونها إلى الله سبحانه افتراء وجهلا في حين أنها من وساوس الشياطين.
وقتل الأولاد المذكورة في الآية الثانية ليس هو كما يتبادر لنا من روحها وأد البنات الذي أشير إليه في سورة التكوير التي سبق تفسيرها، ولا قتل الأولاد خشية الإملاق الذي نهي عنه في سورة الإسراء التي سبق تفسيرها أيضا، وإنما هو تقليد من التقاليد الجاهلية الدينية كان يمارسه العرب على سبيل النذر ؛ حيث كانوا إذا ما اشتد على أحدهم خطب أو كان له مطلب عظيم نذر بتقريب أحد أولاده قربانا لله أو للشركاء. وقد روت الروايات ١ أن عبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وآله وسلم نذر مثل هذا النذر. وأن امرأة بدوية نذرت أن تنحر ابنها عند الكعبة إن فعلت شيئا عينته ففعلته فأرادت أن تفي بنذرها بعد الإسلام فقيل لها : إن الله قد حرم ذلك فأفدت كما فدى عبد المطلب ابنه ٢.
ومهما قيل في هذه الروايات، فإن ورود الإشارة إلى هذا التقليد في القرآن دليل على أن العرب كانوا يمارسونه.
ولقد ورد في سورة الصافات آيات تذكر أن إبراهيم عليه السلام أمر في منامه بذبح ابنه قربانا لله كما ترى في هذه الآية : فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت إفعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين ( ١٠٢ ) وهذه القصة واردة في سفر التكوين أيضا٣. فلا يبعد أن يكون التقليد الجاهلي مقتبسا من هذا التقليد أو متصلا به، ولاسيما أن العرب كانوا كما قلنا في مناسبات سابقة يتداولون صلة بنوتهم بإبراهيم وسيرهم في تقاليدهم وفق تقاليد إبراهيم وملته.
أما التقاليد الأخرى فالمستفاد مما رواه المفسرون٤ أنها من حيث أساسها كانت تهدف إلى التقرب إلى الله والشركاء بقصد تكثير النسل والغلات أو الشكر إذا كثر النسل والغلات أو إذا تحقق للمشركين مطلب. ويبدو من الآية الأولى أنهم كانوا يحابون شركاءهم ويحولون نصيب الله إليهم إن كان هو الأفضل انسياقا وراء مفهوم مألوف في معاملات الناس وصلاتهم ببعضهم حيث يرون أنهم لا بد لهم من شفعاء لدى الله لتحقيق مطالبهم، وأن الحصول على رضاء هؤلاء الشفعاء هو المهم في نظرهم ؛ لأن شفاعتهم مقبولة لدى الله حتما في تصورهم.
ومما رواه المفسرون من تفصيل في سياق هذه الآيات أنهم كانوا يجعلون ما لله للضيوف وما للشركاء لسدنة الأوثان الرامزة إلى الشركاء. وأنه كان إذا نزل الماء في أرض منذورة لله دون المنذورة للشركاء أو إذا كانت غلة الأرض أو نتاج الأنعام المنذورة لله أحسن من المنذور للشركاء حولوها للشركاء. وإذا سقط شيء مما هو منذور لله في نصيب المنذور للشركاء أبقوه فيه وإذا سقط شيء مما هو للشركاء في نصيب الله ردوه إلى نصيب الشركاء وإذا أصابهم جوع أكلوا مما نذروه لله دون المنذور للشركاء، وقالوا : إن الله غني عن نصيبه دون الشركاء. والغالب أن هذا كان يجري بإيعاز من السدنة ؛ لأنهم أصحاب الحظ والمصلحة.
ولم يذكر المفسرون شيئا واضحا في صدد جملة : وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم [ ١٣٨ ] والمتبادر أنهم كانوا ينذرون بعض الأنعام والزروع لأناس ويحرمونها على أناس. ويعتبرون نذرهم هذا إلزاما دينيا لهم ولم يرووا شيئا واضحا كذلك في صدد الآية [ ١٣٩ ] وإنما قالوا قولين في تفسير جملة : ما في بطون هذه الأنعام أحدهما : أنها تعني اللبن وثانيهما : أنها تعني الجنين. والقول الثاني هو الأوجه بقرينة جملة وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء التي وردت في نفس الآية. والمتبادر أنهم كانوا ينذرون الأجنة قبل ولادتها للذكور فإذا جاءت حية اعتبروا ذلك علامة رضاء الله والشركاء فحرموا أكلها على الإناث وإذا جاءت ميتة اعتبروا أن الله والشركاء لم يرضوا عن نذرهم فأكلوا الميتة هم ونساؤهم معا.
أما ما جاء في الآية [ ١٣٩ ] من الإشارة إلى تحريم ظهور بعض الأنعام فقد كان بسبب اعتبارات ونذور معينة. وكان يطلق على الأنعام نتيجة لها اصطلاحات خاصة. وقد ذكرت هذه الاصطلاحات في آية سورة المائدة هذه : ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام [ ١٠٣ ] وروى المفسرون أنهم كانوا يشقون أذن الناقة التي تنتج خمسة بطون ويخلون سبيلها شكرا لله فلا يركبونها ولا يحلبونها ولا يجزون وبرها ولا يمنعونها من كلأ وماء ويسمونها ( بحيرة ) اشتقاقا من ( بحر ) بمعنى شق الأذن. وكانوا إذا مرض لهم مريض أو كانت لهم أمنية أو طال عليهم غياب غائب نذروا أن يعتقوا ناقة يعينونها فإذا شفي المريض أو تحققت الأمنية أو عاد الغائب ( سابوا ) الناقة المذكورة وسموها ( سائبة ) وصار له من المزايا ما ذكرناه في صدد البحيرة، وكانوا إذا أنتج الفحل عشرة بطون أعتقوه وسموه ( حاميا ) أي حمى نفسه وصار له نفس المزايا. وكانوا إذا ولدت الشاة لأول مرة أنثى كانت لهم فلا يصح عليها ذبح ولا قربان. وإذا ولدت ذكرا كان لآلهتهم وهو الذي يذبح ويقرب فإذا ولدت ذكرا وأنثى في بطن واحد كانت حالة الذكر كحالة الأنثى فلا يصح أن يقرب أو يذبح لله وقالوا : إن الأخت وصلت أخاها أي صانت دمه وسموها ( وصيلة ) ونص آية سورة المائدة صريح بأنهم كانوا يفعلون ذلك كنذر ملزم دينيا. والمتبادر أن الإشارة المنطوية في آية الأنعام [ ١٣٩ ] التي نحن في صددها هي في صدد الحالات النذرية الثلاث الأولى.
وقد روى المفسرون أن القصد من جملة لا يذكرون اسم الله عليها هو أن المشركين كانوا يذكرون على قرابينهم وأضاحيهم المنذورة أسماء شركائهم دون اسم الله عند ذبحها. وهذا متصل بالاعتبارات التي ذكرناها في صدد شرح سبب محاباتهم للشركاء.
هذا، والآية الرابعة تعطينا صورة لما كان يلحق بالمرأة العربية قبل الإسلام من تهضم واستهانة شأن. مما تعددت صوره في القرآن على ما سوف يأتي بيانه في مناسباته وقد يكون فيها دليل على أن العرب كانوا يأكلون ما يموت من الأنعام حتف أنفه أو ما يخرج من أرحامها من أجنة ميتة.
التفسير الحديث
دروزة