ﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢ

قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله كتب على نفسه الرحمة ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون ١٢ * وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم ١٣ قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض وهو يطعم ولا يطعم قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من المشركين ١٤ قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم ١٥ من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه وذلك الفوز المبين ١٦ وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير ١٧ وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير ١٨ قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد قل إنما هو إله واحد وإنني برئ مما تشركون ١٩
بين تعالى في الآيات السابقة أصول الدين وما يدل عليها، وشبهات الكفار على الرسالة مع ما يدحضها، وهدى رسوله إلى سنته في الرسل وأقوامهم لتسليته وتثبيت قلبه، المعين له على المضي في تبليغ دعوة ربه، ثم قفى سبحانه على ذلك بتلقينه في هذه الآيات أسلوبا آخر من إقامة الحجج على قومه، وهو أسلوب السؤال والجواب، في موضع فصل الخطاب، وإن كان تكرارا لمعنى سبق أو اشتمل على التكرار، وحكمة ذلك أن التنويع في الاحتجاج والتفنن في أساليبه من ضروريات الدعوة إلى الدين – وإلى غير الدين من المقاصد البشرية أيضا – لأن التزام دليل واحد على المطلوب الذي لا بد من تكرار ذكره أو إيراد عدة أدلة بأسلوب واحد قد يفضي إلى سآمة الداعي من التكرار على رغبته في الدعوة وتفانيه في نشرها وإثباتها، فكيف يكون تأثيره في المدعوين الكارهين له ولها، إذا لم يعقلوا الدليل الأول أو لم تتوجه قلوبهم إلى تدبر الأسلوب الواحد المشتمل على عدة أدلة ؟ لا جرم أنهم يكونون في منتهى السآمة والضجر من سماع ذلك، وفي غاية النفور منه، كيف وقد كان المعاندون منهم ينهون عن هذا القرآن وينأون عنه على ما امتاز به في مقام التفنن والتنويع، والبلاغة المعجزة في كثرة الأساليب.
وبعد هذا القول المبين لأصل الدعوة وأساس الدين وكون الداعي إليه مأمورا به كغيره – أمر الله رسوله بقول آخر في بيان جزاء من خالف ما ذكر من الأمر والنهي آنفا وأنه عام لا هوادة فيه ولا شفاعة تحول دونه فقال قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم ( ١٥ )
قدم ذكر الخوف على شرطه الذي شأنه أن يتقدمه لأنه هو الأهم المقصود بالذكر، وشرط « إن » لا يقتضي الوقوع، فالمعنى إن فرض وقوع العصيان مني لربي فإنني أخاف أن يصيبني عذاب يوم عظيم، وهو يوم القيامة، وصف بالعظم لعظمة ما يكون فيه من تجلي الرب سبحانه ومحاسبته للناس ومجازاته لهم. وحكمة هذا التعبير ما أشرنا إليه من أن هذا الدين دين الله الحق لا محاباة فيه لأحد مهما يكن قدره عظيما في نفسه. وأن يوم الجزاء لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة – بالمعنى المعروف عند المشركين – ولا سلطان لغير الله تعالى فيتكل عليه من يعصيه، ظنا أنه يخفف عنه أو ينجيه، يوم لا يملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله [ الانفطار : ١٩ ] وإذا كان خوف النبي صلى الله عليه وسلم من العذاب على المعصية منتفيا لانتفائها بالعصمة فخوف الإجلال والتعظيم ثابت له دائما.

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

رشيد رضا

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير