ﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜ ﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘ ﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢ

الْبَحْثُ الثَّالِثُ: أَنَّ قَوْلِهِ قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَلَامٌ وَرَدَ عَلَى لَفْظِ الْغَيْبَةِ. وَقَوْلُهُ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ كَلَامٌ وَرَدَ عَلَى سَبِيلِ الْمُخَاطَبَةِ. وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ التَّأْكِيدُ فِي التَّهْدِيدِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: لَمَّا علمتم أن كل ما في السموات وَالْأَرْضِ للَّه وَمِلْكُهُ، وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ الْمَلِكَ الْحَكِيمَ لَا يُهْمِلُ أَمْرَ رَعِيَّتِهِ وَلَا يَجُوزُ فِي حِكْمَتِهِ أَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَ الْمُطِيعِ وَالْعَاصِي وَبَيْنَ الْمُشْتَغِلِ بِالْخِدْمَةِ وَالْمُعْرِضِ عَنْهَا، فَهَلَّا عَلِمْتُمْ أَنَّهُ يُقِيمُ الْقِيَامَةَ وَيُحْضِرُ الْخَلَائِقَ وَيُحَاسِبُهُمْ فِي الكل؟
البحث الرابع: أن كلمة «إلى» في قوله إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ فِيهَا أَقْوَالٌ: الْأَوَّلُ: أَنَّهَا صِلَةٌ وَالتَّقْدِيرُ:
لَيَجْمَعَنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَقِيلَ: إِلى بِمَعْنَى فِي أَيْ لَيَجْمَعَنَّكُمْ فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَقِيلَ: فِيهِ حَذْفٌ أَيْ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى الْمَحْشَرِ فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لِأَنَّ الْجَمْعَ يَكُونُ إِلَى الْمَكَانِ لَا إِلَى الزَّمَانِ.
وَقِيلَ: لَيَجْمَعَنَّكُمْ فِي الدُّنْيَا بِخَلْقِكُمْ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
أَمَّا قَوْلُهُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ فَفِيهِ أَبْحَاثٌ: الْأَوَّلُ: فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلَانِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ قَوْلَهُ الَّذِينَ مَوْضِعُهُ نَصْبٌ عَلَى الْبَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ لَيَجْمَعَنَّكُمْ وَالْمَعْنَى لَيَجْمَعَنَّ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَهُوَ قَوْلُ الْأَخْفَشِ. وَالثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ الزَّجَّاجِ، أَنَّ قَوْلَهُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ رُفِعَ بِالِابْتِدَاءِ، وَقَوْلُهُ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ خَبَرُهُ، لِأَنَّ قَوْلَهُ لَيَجْمَعَنَّكُمْ مُشْتَمِلٌ عَلَى الْكُلِّ، عَلَى الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَعَلَى غَيْرِهِمْ «وَالْفَاءُ» فِي قَوْلِهِ فَهُمْ يُفِيدُ مَعْنَى الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ، كَقَوْلِهِمْ: الَّذِي يُكْرِمُنِي فَلَهُ دِرْهَمٌ، لِأَنَّ الدِّرْهَمَ وَجَبَ بِالْإِكْرَامِ فَكَانَ الْإِكْرَامُ شَرْطًا وَالدِّرْهَمُ جَزَاءً.
فَإِنْ قِيلَ: ظَاهِرُ اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ خُسْرَانَهُمْ سَبَبٌ لِعَدَمِ إِيمَانِهِمْ، وَالْأَمْرُ عَلَى الْعَكْسِ.
قُلْنَا: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ سَبْقَ الْقَضَاءِ بِالْخُسْرَانِ وَالْخِذْلَانِ، هُوَ الَّذِي حَمَلَهُمْ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنَ الْإِيمَانِ، وذلك عين مذهب أهل السنّة.
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٣ الى ١٥]
وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٤) قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥)
[في قَوْلُهُ تَعَالَى وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ] فِي الْآيَةِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: اعْلَمْ أَنَّ أَحْسَنَ مَا قِيلَ فِي نَظْمِ هَذِهِ الْآيَةِ مَا ذَكَرَهُ أَبُو مُسْلِمٍ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى فقال: ذكر في الآية الأولى السموات وَالْأَرْضَ، إِذْ لَا مَكَانَ سِوَاهُمَا. وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ ذَكَرَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِذْ لَا زَمَانَ سِوَاهُمَا، فَالزَّمَانُ وَالْمَكَانُ ظَرْفَانِ لِلْمُحْدَثَاتِ، فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ مَالِكٌ لِلْمَكَانِ وَالْمَكَانِيَّاتِ، وَمَالِكٌ لِلزَّمَانِ وَالزَّمَانِيَّاتِ، وهذا بيان في غاية الجلالة.
وأقول هاهنا دَقِيقَةٌ أُخْرَى، وَهُوَ أَنَّ الِابْتِدَاءَ وَقَعَ بِذِكْرِ الْمَكَانِ وَالْمَكَانِيَّاتِ، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ الزَّمَانَ وَالزَّمَانِيَّاتِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَكَانَ وَالْمَكَانِيَّاتِ أَقْرَبُ إِلَى الْعُقُولِ وَالْأَفْكَارِ مِنَ الزَّمَانِ وَالزَّمَانِيَّاتِ، لِدَقَائِقَ مَذْكُورَةٍ فِي العقليات

صفحة رقم 490

الصِّرْفَةِ، وَالتَّعْلِيمُ الْكَامِلُ هُوَ الَّذِي يُبْدَأُ فِيهِ بالأظهر فالأظهر مُتَرَقِّيًا إِلَى الْأَخْفَى فَالْأَخْفَى، فَهَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِوَجْهِ النَّظْمِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ يُفِيدُ الْحَصْرَ وَالتَّقْدِيرُ: هَذِهِ الْأَشْيَاءُ لَهُ لَا لِغَيْرِهِ، وَهَذَا هُوَ الحق لأن كُلَّ مَوْجُودٍ فَهُوَ إِمَّا وَاجِبٌ لِذَاتِهِ، وَإِمَّا مُمْكِنٌ لِذَاتِهِ، فَالْوَاجِبُ لِذَاتِهِ لَيْسَ إِلَّا الْوَاحِدُ. وَمَا سِوَى ذَلِكَ الْوَاحِدِ مُمْكِنٌ. وَالْمُمْكِنُ لَا يُوجَدُ إِلَّا بِإِيجَادِ الْوَاجِبِ لِذَاتِهِ، وَكُلُّ مَا حَصَلَ بِإِيجَادِهِ وَتَكْوِينِهِ كَانَ مُلْكًا لَهُ، فَثَبَتَ أَنَّ مَا سِوَى ذَلِكَ الْمَوْجُودِ الْوَاجِبِ لِذَاتِهِ فَهُوَ مُلْكُهُ وَمَالِكُهُ فَلِهَذَا السَّبَبِ قَالَ وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: فِي تَفْسِيرِ هَذَا السُّكُونِ قَوْلَانِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ الشَّيْءُ الَّذِي سَكَنَ بَعْدَ أَنْ تَحَرَّكَ، فَعَلَى هَذَا، الْمُرَادُ كُلُّ مَا اسْتَقَرَّ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الدَّوَابِّ، وَجُمْلَةِ الْحَيَوَانَاتِ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ/ وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ: قَالُوا فِي الْآيَةِ مَحْذُوفٌ وَالتَّقْدِيرُ: وَلَهُ مَا سَكَنَ وَتَحَرَّكَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [النَّحْلِ: ٨١] أَرَادَ الْحَرَّ وَالْبَرْدَ فَاكْتَفَى بِذِكْرِ أَحَدِهِمَا عَنِ الْآخَرِ لِأَنَّهُ يُعْرَفُ ذَلِكَ بِالْقَرِينَةِ الْمَذْكُورَةِ، كَذَلِكَ هُنَا حَذَفَ ذِكْرَ الْحَرَكَةِ، لِأَنَّ ذِكْرَ السُّكُونِ يَدُلُّ عَلَيْهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ هَذَا السُّكُونِ مَا هُوَ ضِدُّ الْحَرَكَةِ، بَلِ الْمُرَادُ مِنْهُ السُّكُونُ بِمَعْنَى الْحُلُولِ.
كَمَا يُقَالُ: فُلَانٌ يَسْكُنُ بَلَدَ كَذَا إِذَا كَانَ مَحِلُّهُ فِيهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ [إِبْرَاهِيمَ: ٤٥] وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ: كَانَ الْمُرَادُ، وَلَهُ كُلُّ مَا حَصَلَ في الليل والنهار. والتقدير: كل ما حصل فِي الْوَقْتِ وَالزَّمَانِ سَوَاءٌ كَانَ مُتَحَرِّكًا أَوْ سَاكِنًا، وَهَذَا التَّفْسِيرُ أَوْلَى وَأَكْمَلُ. وَالسَّبَبُ فِيهِ أَنَّ كُلَّ مَا دَخَلَ تَحْتَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ حَصَلَ فِي الزَّمَانِ فَقَدْ صَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ انْقَضَى الْمَاضِي وَسَيَجِيءُ الْمُسْتَقْبَلُ، وَذَلِكَ مُشْعِرٌ بِالتَّغَيُّرِ وَهُوَ الْحُدُوثُ، وَالْحُدُوثُ يُنَافِي الْأَزَلِيَّةَ وَالدَّوَامَ، فَكُلُّ مَا مَرَّ بِهِ الْوَقْتُ وَدَخَلَ تَحْتَ الزَّمَانِ فَهُوَ مُحْدَثٌ وَكُلُّ حَادِثٍ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُحْدِثٍ، وَفَاعِلُ ذَلِكَ الْفِعْلِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا عَلَيْهِ وَالْمُتَقَدِّمُ عَلَى الزَّمَانِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُقَدَّمًا عَلَى الْوَقْتِ وَالزَّمَانِ فَلَا تَجْرِي عَلَيْهِ الْأَوْقَاتُ وَلَا تَمُرُّ بِهِ السَّاعَاتُ وَلَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ وَسَيَكُونُ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا بَيَّنَ فِيمَا سَبَقَ أَنَّهُ مَالِكٌ لِلْمَكَانِ وَجُمْلَةِ الْمَكَانِيَّاتِ وَمَالِكٌ لِلزَّمَانِ وَجُمْلَةِ الزَّمَانِيَّاتِ، بَيَّنَ أَنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ يَسْمَعُ نِدَاءَ الْمُحْتَاجِينَ وَيَعْلَمُ حَاجَاتِ الْمُضْطَرِّينَ. وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ الرَّدُّ عَلَى مَنْ يَقُولُ الْإِلَهُ تَعَالَى مُوجَبٌ بِالذَّاتِ، فَنَبَّهَ عَلَى أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ مَالِكًا لِكُلِّ الْمُحْدَثَاتِ لَكِنَّهُ فَاعِلٌ مُخْتَارٌ يَسْمَعُ وَيَرَى وَيَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى، وَلَمَّا قَرَّرَ هَذِهِ الْمَعَانِيَ قَالَ: قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ فَرْقٌ بَيْنَ أَنْ يُقَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا وَبَيْنَ أَنْ يُقَالَ: أَتَّخِذُ غَيْرَ اللَّه وَلِيًّا لِأَنَّ الْإِنْكَارَ إِنَّمَا حَصَلَ عَلَى اتِّخَاذِ غَيْرِ اللَّه وَلِيًّا، لَا عَلَى اتِّخَاذِ الْوَلِيِّ، وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّهُمْ يُقَدِّمُونَ الْأَهَمَّ فَالْأَهَمَّ الَّذِي هُمْ بِشَأْنِهِ أَعْنِي فَكَانَ قَوْلُهُ قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا أَوْلَى مِنَ الْعِبَارَةِ الثَّانِيَةِ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ [الزُّمَرِ: ٦٤] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ [يُونُسَ: ٥٩].
ثم قال: فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وقريء فاطِرِ السَّماواتِ بِالْجَرِّ صِفَةً للَّه وَبِالرَّفْعِ عَلَى إِضْمَارِ «هُوَ» وَالنَّصْبِ عَلَى الْمَدْحِ. وَقَرَأَ الزُّهْرِيُّ فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مَا عَرَفْتُ فاطِرِ السَّماواتِ حَتَّى أَتَانِي أَعْرَابِيَّانِ يَخْتَصِمَانِ فِي بِئْرٍ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: أَنَا فَطَرْتُهَا أَيِ ابْتَدَأْتُهَا وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: أَصْلُ الْفَطْرِ شَقُّ الشَّيْءِ عِنْدَ ابْتِدَائِهِ، فَقَوْلُهُ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُرِيدُ خَالِقَهُمَا وَمُنْشِئَهُمَا بِالتَّرْكِيبِ الَّذِي سَبِيلُهُ أَنْ يَحْصُلَ فيه الشق

صفحة رقم 491

وَالتَّأْلِيفُ عِنْدَ ضَمِّ الْأَشْيَاءِ إِلَى بَعْضٍ، فَلَمَّا كان الأصل الشَّقُّ جَازَ أَنْ يَكُونَ فِي حَالٍ شَقَّ إِصْلَاحٍ وَفِي حَالٍ أُخْرَى شَقَّ إِفْسَادٍ. فَفَاطِرُ السموات/ مِنَ الْإِصْلَاحِ لَا غَيْرَ. وَقَوْلُهُ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ [الملك: ٣] وإِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ [الِانْفِطَارِ: ١] مِنَ الْإِفْسَادِ، وَأَصْلُهُمَا وَاحِدٌ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ أي وهو الرازق لِغَيْرِهِ وَلَا يَرْزُقُهُ أَحَدٌ.
فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ فَسَّرْتَ الْإِطْعَامَ بِالرِّزْقِ؟ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ [الذَّارِيَاتِ: ٥٧] وَالْعَطْفُ يُوجِبُ الْمُغَايَرَةَ.
قُلْنَا: لَا شَكَّ فِي حُصُولِ الْمُغَايَرَةِ بَيْنَهُمَا، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ يَحْسُنُ جَعْلُ أَحَدِهِمَا كِنَايَةً عَنِ الْآخَرِ لِشِدَّةِ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْمُقَارَبَةِ وَالْمَقْصُودُ مِنَ الْآيَةِ: أَنَّ الْمَنَافِعَ كُلَّهَا مِنْ عِنْدِهِ، وَلَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الِانْتِفَاعُ. وَقُرِئَ وَلا يُطْعَمُ بِفَتْحِ الْيَاءِ، وَرَوَى ابْنُ الْمَأْمُونِ عَنْ يَعْقُوبَ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ عَلَى بِنَاءٍ الْأَوَّلِ لِلْمَفْعُولِ وَالثَّانِي لِلْفَاعِلِ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ: فَالضَّمِيرُ عَائِدٌ إِلَى الْمَذْكُورِ فِي قَوْلِهِ أَغَيْرَ اللَّهِ وَقَرَأَ الْأَشْهَبُ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعِمُ عَلَى بِنَائِهِمَا لِلْفَاعِلِ. وَفُسِّرَ بِأَنَّ مَعْنَاهُ: وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يَسْتَطْعِمُ. وَحَكَى الْأَزْهَرِيُّ: أَطْعَمْتُ بِمَعْنَى اسْتَطْعَمْتُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: وَهُوَ يُطْعِمُ تَارَةً وَلَا يُطْعِمُ أُخْرَى عَلَى حَسَبِ الْمَصَالِحِ كَقَوْلِهِ: وَهُوَ يُعْطِي وَيَمْنَعُ، وَيَبْسُطُ وَيَقْدِرُ، وَيُغْنِي وَيُفْقِرُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَذْكُورَ فِي صَدْرِ الْآيَةِ هُوَ الْمَنْعُ مِنَ اتِّخَاذِ غَيْرِ اللَّه تَعَالَى وَلِيًّا. وَاحْتَجَّ عليه بأنه فاطر السموات وَالْأَرْضِ وَبِأَنَّهُ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ. وَمَتَى كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ امْتَنَعَ اتِّخَاذُ غَيْرِهِ وَلِيًّا. أَمَّا بيان أنه فاطر السموات وَالْأَرْضِ، فَلِأَنَّا بَيَّنَّا أَنَّ مَا سِوَى الْوَاحِدِ مُمْكِنٌ لِذَاتِهِ، وَالْمُمْكِنُ لِذَاتِهِ لَا يَقَعُ مَوْجُودًا إِلَّا بِإِيجَادِ غَيْرِهِ، فَنَتَجَ أَنَّ مَا سِوَى اللَّه فَهُوَ حَاصِلٌ بِإِيجَادِهِ وَتَكْوِينِهِ. فَثَبَتَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ هُوَ الْفَاطِرُ لِكُلِّ مَا سِوَاهُ مِنَ الْمَوْجُودَاتِ. وَأَمَّا بَيَانُ أَنَّهُ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ فَظَاهِرَةٌ لِأَنَّ الْإِطْعَامَ عِبَارَةٌ عَنْ إِيصَالِ الْمَنَافِعِ، وَعَدَمُ الِاسْتِطْعَامِ عِبَارَةٌ عَنْ عَدَمِ الِانْتِفَاعِ. وَلَمَّا كان هو المبديء تعالى وتقدس لكل ما سواه، كان لا محالة هو المبديء لحصول جميع المنافع. وَلَمَّا كَانَ وَاجِبًا لِذَاتِهِ كَانَ لَا مَحَالَةَ غَنِيًّا وَمُتَعَالِيًا عَنِ الِانْتِفَاعِ بِشَيْءٍ آخَرَ فَثَبَتَ بالبرهان صحة أنه تعالى فاطر السموات وَالْأَرْضِ، وَصِحَّةُ أَنَّهُ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا امْتَنَعَ فِي الْعَقْلِ اتِّخَاذُ غَيْرِهِ وَلِيًّا لِأَنَّ مَا سِوَاهُ مُحْتَاجٌ فِي ذَاتِهِ وَفِي جَمِيعِ صِفَاتِهِ وَفِي جَمِيعِ مَا تَحْتَ يَدِهِ. وَالْحَقُّ سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لِذَاتِهِ الْجَوَادُ لِذَاتِهِ، وَتَرُكُ الْغَنِيِّ الْجَوَادِ، وَالذَّهَابُ إِلَى الْفَقِيرِ الْمُحْتَاجِ مَمْنُوعٌ عَنْهُ فِي صَرِيحِ الْعَقْلِ.
وَإِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: قَدْ سَبَقَ فِي هَذَا الْكِتَابِ بَيَانُ أَنَّ الْوَلِيَّ مَعْنَاهُ الْأَصْلِيُّ فِي اللُّغَةِ: هُوَ الْقَرِيبُ. وَقَدْ ذَكَرْنَا وُجُوهَ الِاشْتِقَاقَاتِ فِيهِ. فَقَوْلُهُ قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا يَمْنَعُ مِنَ الْقُرْبِ مِنْ غَيْرِ اللَّه تَعَالَى. فَهَذَا يَقْتَضِي تَنْزِيهَ الْقَلْبِ عَنِ الِالْتِفَاتِ إِلَى غَيْرِ اللَّه تَعَالَى، وَقَطْعَ الْعَلَائِقِ عَنْ كُلِّ مَا سِوَى اللَّه تَعَالَى.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَالسَّبَبُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَابِقُ أُمَّتِهِ فِي الْإِسْلَامِ لِقَوْلِهِ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الْأَنْعَامِ: ١٦٣] وَلِقَوْلِ مُوسَى سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ [الْأَعْرَافِ: ١٤٣].
ثُمَّ قَالَ: وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَمَعْنَاهُ أُمِرْتُ بِالْإِسْلَامِ وَنُهِيتُ عَنِ الشِّرْكِ. ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى لَمَّا بَيَّنَ كَوْنَ

صفحة رقم 492

مفاتيح الغيب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو عبد الله محمد بن عمر (خطيب الري) بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي

الناشر دار إحياء التراث العربي - بيروت
سنة النشر 1420
الطبعة الثالثة
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية