المعنى الجملي : بعد أن ذكر الحجج العقلية على أصول هذا الدين ودحض شبهات المعاندين، وقفى على ذلك بذكر الوصايا العشر في الآيات الثلاث التي قبل هذه الآيات.
نبه هنا إلى مكانة القرآن من الهداية وإلى وجوب إتباعه، وذكر أعذار المشركين بما يعلمون أنها لا تصلح لهم عذرا عند الله، وافتتح هذا التنبيه والتذكير بذكر ما يشبه القرآن في التشريع ويسير على نهجه في الهداية، وهو كتاب موسى عليه السلام الذي اشتهر عند مشركي العرب وعرفوا بالسماع خبره.
الإيضاح : أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم أي ولئلا تقولوا : لو أنا أنزل علينا الكتاب كما أنزل على هاتين الطائفتين قبلنا، فأمرنا بما فيه ونهينا عما نهى عنه، وبين لنا خطأ ما نحن فيه لكنا أهدى منهم، لأنا أذكى منهم أفئدة وأمضى عزيمة، وقد حكى الله عنهم مثل هذا في قوله : وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم [ فاطر : ٤٢ ] أي من إحدى الأمم المجاورة من أهل الكتاب.
فرد الله عليهم بجواب قاطع لكل تعلة دافع لكل اعتذار فقال :
فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة البينة في اللغة ما بين الحق، أي فقد جاءكم كتاب مبين للحق بالحجج والبراهين في العقائد والفضائل والآداب وأمهات الأحكام بما به تصلح أمور البشر وشؤون الاجتماع، وهو هاد لمن تدبره وتلاه حق تلاوته، إذ يجذب ببلاغته وبيانه قلوب الناظرين فيه إلى الحق الذي فصله أتم تفصيل، وإلى عمل الخير والصلاح الذي بين فوائده ومنافعه، وهو رحمة عامة لمن يستضيئون بنوره، وتنفذ فيهم شريعته، إذ هم يكونون في ظلها آمنين على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، أحرارا في عقائدهم وعباداتهم، يعيشون في بيئة خالية من الفواحش والمنكرات.
وبعد أن بين عظيم قدر هذا الكتاب بين سوء عاقبة من كذب به فقال :
فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها صدف، أعرض : أي وإذا كانت هذه الآيات مشتملة على الهداية الكاملة والرحمة الشاملة فلا أظلم ممن كذب بها وأعرض عنها، أو لم يكتف بذلك بل صرف الناس عنها كما كان يفعل كبراء مجرمي قريش بمكة، فقد كانوا يصدفون العرب عن النبي صلى الله عليه وسلم ويحولون بينه وبينهم لئلا يسمعوا منه القرآن فينجذبوا إلى الإيمان.
ونحو الآية قوله : وهم ينهون عنه وينؤون عنه ( الأنعام ٢٦ ).
سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون أي سنجزي الذين يصدفون الناس عن آياتنا ويردونهم عن الاهتداء بها سوء العذاب بسبب ما كانوا يجرون عليه من الصدف عنها، إذ هم بذلك يحملون أوزارهم وأوزار من صدفوهم عن الحق، وحالوا بينهم وبين الهداية.
ونحو الآية قوله : الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون [ النحل : ٨٨ ] أي زدناهم عذابا شديدا بصدهم الناس عن سبيل الله فوق العذاب على كفرهم بسبب إفسادهم في الأرض بهذا الصد عن الحق.
تفسير المراغي
المراغي